رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦٢
ما هو المراد بعاشوراء في الحديث النبوي(صلى الله عليه وآله)؟
روى البخاري عن ابن عباس قال: قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح. هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى. قال: فأنا أحقّ بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه.[١]
والحديث يدلّ على أنّ صيام يوم عاشوراء من سنن اليهود على خلاف ما دلّ عليه الحديث السابق من أنّها سنة جاهلية عربية،ويمكن الجمع بأنّ العرب في الجاهلية اتخذتها عن اليهود فصارت سنة لهم.
وعلى أي تقدير سواء أكانت سنة جاهلية أم سنة يهودية، فيوم عاشوراء الذي كانت اليهود يصومون فيه وصام فيه النبي(صلى الله عليه وآله) بحجّة أنّه أحق بموسى منهم، غير اليوم العاشر من محرّم الحرام الذي يُتصوّر أنّ صيامه سنّة من سنن النبي(صلى الله عليه وآله).
وذلك لأنّ الحديث يحكي بوضوح أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) أوان قدومه للمدينة، وجد اليهود يصومون فيه، ومن المعلوم أنّ هجرة النبي(صلى الله عليه وآله) كانت في النصف الأوّل من ربيع الأوّل، فاليوم الذي صام فيه النبي(صلى الله عليه وآله)، وأمر بصومه كان في النصف الأوّل من شهر ربيع الأوّل ولا صلة له بعاشر محرم الحرام، فمن يريد أن يعمل بالحديث فليصم اليوم العاشر الذي يصوم فيه اليهود، لا عاشر محرّم الحرام.
وقد تنبّه بعض الفلكيين من المسلمين لذلك الخطأ الرائج على ألسنة العوام، أعني الفلكي الطائر الصيت أبو ريحان محمد البيروني(٣٦٢ـ ٤٤٠هـ) حيث قال انّ عاشوراء هو عبراني معرّب يعني: «عاشور» و هو العاشر من «تشرى» اليهود، الذي صومه صوم «الكِبّور» وأنّه اعتُبر في شهور العرب، فجُعل في اليوم العاشر من أوّل شهورهم كما هو في اليوم العاشر من أوّل شهور اليهود.
ثم نقل الرواية من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) لما قدم المدينة... وقال: وهذه الرواية غير صحيحة لأنّ الامتحان يشهد عليها وذلك لأنّ أوّل المحرم كان سنة الهجرة يوم
[١] صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٠٠٣.