رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩
قال(صلى الله عليه وآله) لسيدها: «اعتقها فإنّها مؤمنة».[١]
إنّ الاحتجاج بهذه الرواية مشكل من جهتين:
الأُولى: أنّ السيرة المستمرة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في دعوته الناس للإسلام هو أخذ الاعتراف بالشهادتين، ولم يرد أنّه سأل أحداً ـ غير هذه الجارية ـ عن الله ومكانه وصفاته، فلماذا خُصّت هذه الجارية التي كانت بعيدة عن الإسلام، بهذا السؤال المشكل؟!
الثانية: أنّ هذه الرواية رويت بشكل آخر أيضاً، فهذا هو مالك يرويها في الموطّأ بالشكل التالي: أنّ رسول الله قال لها: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله؟ فقالت: نعم، قال: أتشهدين أنّي رسول الله؟ قالت: نعم.[٢]
ورواها أحمد بالنحو التالي: قال: جاء رجل من الأنصار بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله: أنّ عليّ رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة فاعتقها، فقال لها رسول الله: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أنّي رسول الله؟ قالت: نعم، قال: تؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: اعتقها.[٣]
وللعلاّمة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي كلام حول هذه الرواية نذكر عصارته: وأنّه مأوّل لمخالفته القواطع العقليات والنقليات، إذ لا يُتجاوز عن الظاهر إلاّ لضرورة، فإنّ حجج الله تعالى تتعاضد ولا تتضاد،... إلى أن قال: إنّها كانت أعجمية لا تقدر أن تفصح عمّا في ضميرها من اعتقاد التوحيد بالعبارة فتعرف بالإشارة أنّ معبودها إله السماء، فإنّهم كانوا يسمّون الله إله السماء، كما دلّ السؤال والاكتفاء بتلك الإشارة.[٤]
وبهذا يسقط الاستدلال بظاهر حديث الجارية على كونه سبحانه في السماء.
[١] صحيح مسلم:٢/٧١; سنن أبي داود:١/٢١١ ،الحديث رقم ٩٣٠.
[٢] الموطأ:١/١٤٥، كتاب العتاقة والولاء، باب ما يجوز من العتق.
[٣] مسند أحمد:٣/٤٥١.
[٤] إشارات المرام من عبارات الإمام: ١٩٩ـ٢٠٠.