رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٠
وجود دليل لفظي صادر عن صاحب الشريعة.
ثمّ إنّ استكشاف العقل عن حكم الله سبحانه يعتمد على أصلين قطعيين هما:
١. التحسين والتقبيح العقليّان.
٢. الملازمات العقلية.
أمّا الأوّل: فإنّ للعقل قابلية على معرفة حسن الأفعال وقبحها، إذ هو بنفسه يدرك حسن الإحسان وحسن مجازاة الإحسان بمثله، وحسن العمل بالميثاق، وهكذا.
كما يدرك من صميم ذاته قبح الظلم وقبح مجازاة الإحسان بالإساءة، وقبح نقض الميثاق، إلى غير ذلك من الأفعال الّتي يدرك العقل الحصيف المنقطع عن كل شيء حسنها أو قبحها.
والذكر الحكيم يشهد على تلك القابلية حيث يخاطب الإنسان بما تقتضي به فطرته ويقول: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[١]، ويقول سبحانه: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَواءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ ما يَحكُمُونَ).[٢]
ويقول تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجّارِ).[٣]
وهذه الآيات تتخذ من وجدان الإنسان شاهداً على عدم التسوية، وتدل بالتالي على أنّ الإنسان قادر بفطرته الإلهية على درك حسن الأفعال وقبحها، ولما كانت التسوية بين الطائفتين قبيحة عند العقل، ذَكر سبحانه أنّ ساحته أيضاً منزّهةً عنها.
فالقول بالتحسين والتقبيح العقليين ـ مع أنّه أساس في باب المعارف
[١] القلم:٣٥ـ٣٦.
[٢] الجاثية:٢١.
[٣] ص:٢٨.