رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٤
توضيح ذلك: أنّ لله سبحانه في مقام علمه الفعلي لوحين :
١. اللوح المحفوظ الذي لا يتطرّق إليه التغير، وقد أشار إليه سبحانه بقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْضِ وَ لاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِك عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)[١].
٢. لوح المحو والإثبات فيكتب فيه التقدير الأوّل، وهو وإن كان بظاهره مطلقاً وظاهراً في الاستمرار إلاّ أنّه مشروط بشروط فإذا تغيرت الشروط انتهى أمر التقدير الأوّل وحان وقت التقدير الثاني، وإلى هذا اللوح أشار سبحانه بقوله: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)[٢].
ومثل هذا التغيّر في التقدير لا يمس كرامة العلم الإلهي الأزلي أبداً، ثم إنّ النبيّ ربّما يطّلع على المقتضي للشيء دون العلّة التامّة لوقوعه، فيخبر استناداً إلى المقتضي مع عدم الوقوف على العلّة التامّة التي من أجزائها عدم المانع من تأثير المقتضي .
فإخباره يستند إلى وجود المقتضي للشيء، وأمّا عدم وقوعه فلاستناده إلى وجود المانع من تأثير المقتضي. كل ذلك إذا اتصل بلوح المحو والإثبات، ولما ذكرنا نظائر في الكتاب والسنّة:
١. إخبار يونس عن نزول العذاب
أخبر يونس(عليه السلام) قومه بنزول العذاب، ثم ترك القوم وكان في وعده هذا صادقاً، إذ رآه مكتوباً في ذلك اللوح، ولكن لم يطّلع على وجود المانع وهو إنابة القوم عن غيّهم وعصيانهم. قال سبحانه: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين)[٣].
[١] الحديد: ٢٢ .
[٢] الرعد: ٣٩.
[٣] يونس: ٩٨ .