رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣٣
هناك حقول يانعة زاهرة في حياة هذا الفيلسوف المتكلّم، والفقيه الأديب، ولكنّني أكتفي هنا بارتياد حقلين منها، يتعلق الأوّل منها بالجانب العلمي، والثاني بالجانب السلوكي، وهما يلتقيان في شخصيته، ويرفد أحدهما الآخر ليعبّرا عن توجّهاته واهتماماته، وعن منهجه في الحياة.
وأود أن أصطحب معي شرحَه لنهج البلاغة المسمّى بمصباح السالكين، لأَلِجَ بواسطته إلى الحقل الأوّل، ولكن لا لأستريح فيه طويلاً، وإنّما لأقف قليلاً في إحدى زواياه، وأشمّ عبير بعض أزهاره، فالوقت لا يسع لأكثر من ذلك.
اتفقت المعاجم على أنّ ميثماً البحراني كان عالماً ربانياً وفيلسوفاً إلهياً جال في أكثر من ميدان من ميادين العلم، إلاّ أنّه أولع بعلمي الحكمة والكلام، فجلّى في ميدانها وذاعت شهرته بها في الأوساط العلمية، وعند رجال الدولة في العراق، كعبد العزيز بن جعفر بن ليث النيسابوري وعلاء الدين الجويني اللّذين اهتما بترويج العلم ورعاية العلماء، هذا ما يقوله عنه أصحاب المعاجم وكتب التراجم.
غير أنّ التعرّف عليه عن طريق هؤلاء أحد الطرق الّتي راجت في التعرّف على الشخصيات العلمية، إلاّ أنّ لنا في المقام طريقاً آخر للتعرف على قابلياته العلمية وإنجازاته وما اكتسبه في الحقلين: العلمي والسلوكي.
وهذا الطريق يتمثّل في دراسة حياة أساتذته وتلاميذه وما ترك من آثار علمية. فإنّ دراسة هذه المواضيع الثلاثة تلقي أضواءً على شخصيته وما حصل عليه في مجالي العلم والعمل.
أمّا أساتذته فقد تتلمذ على يد الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي الّذي يضنّ الدهر بمثله إلاّ في فترات يسيرة وبينه وبين أُستاذه مساجلات ومكاتبات تدلّ على رفيع منزلته وولعه باكتساب العلم.
وأمّا تلامذته فنكتفي أنّ العلاّمة الحلّى الّذي يضرب به المثل في عالم الذكاء هو ممّن تخرّج عليه. ومثله لا يخضع إلاّ لدرس عالم كبير يروي عطشه.
وأمّا الثالث وهو التعرّف على الآثار العلمية الّتي تركها، فهي وإن كانت كثيرة