رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠٥
وليس ابن خزيمة هو الوحيد في نشر التجسيم والتشبيه، فقد سبقه في ذلك خشيش بن أصرم (المتوفّى ٥٢٥هـ) مصنّف كتاب «الاستقامة» والّذي عرّفه الذهبي بأنّه يردّ فيه على أهل البدع.[١]
ويريد الذهبي بـ«أهل البدع» أهل التنزيه الذين لا يُثبتون للّه سبحانه خصائص الموجود الإمكاني وينزّهونه عن الجسم والجسمانية.
ولحقه أحمد بن محمد السجستاني السجزي، وقد اعتمد عليه الذهبي قائلاً: بلغني أن ابن خزيمة حسن الرأي فيه، وكفى بهذا فخراً.[٢]
وكان لتلك الأفكار انتشار وصدى في الحواضر الإسلامية، ولأجل نقد هذه المسائل عقد شيخنا الكليني في أُصول الكافي أبواباً وفصولاً عديدة لردّها وإبطالها.[٣]
وكان أبو الحسن الأشعري (المعاصر للكليني) في أوّل أمره معتزلياً رافعاً لواء العقل والتفكير، إلاّ أنّه رجع في عام ٣٠٥هـ عن ذلك المنهج والتحق بمنهج الإمام أحمد منادياً بأعلى صوته في الجامع الكبير في البصرة: مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا أُعرّفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت قلتُ بخلق القرآن، وإنّ اللّه لا يُرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للردّ على المعتزلة.[٤]
وهذا يشير إلى أنّ الجو العام في ذلك العصر لم يكن لصالح الداعين إلى التحرّر من الجمود والتقليد، وإعمال الفكر والنظر.
[١] تذكرة الحفاظ:٢/٥٥١; سير أعلام النبلاء:٢/٢٥٠.
[٢] ميزان الاعتدال:١/١٣٢.
[٣] انظر: الكافي(كتاب التوحيد):١/١٣٧ـ ٢٠٥.
[٤] فهرست ابن النديم:٢٧١.