رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧
أو خارجه، يساوق تسليم كونه جسماً متحيّزاً، ومن المعلوم أنّ المتحيّز لا يفارق الحيّز، فلابد أن يكون له مكان وهو إمّا داخل العالم أو خارجه، وهذا يكشف عن أنّهم لم يعرفوا الله حق قدره، وصوّروه موجوداً مادّياً، فطلبوا مكاناً له. وزعموا أنّه إذا لم يكن داخل العالم فهو في خارج العالم وليس هو إلاّ فوق السماوات.
ولكن البارئ سبحانه بما أنّه ليس كمثله شيء ليس جسماً ولا جسمانياً، فلا معنى أن نطلب له مكاناً داخل العالم أو خارجه.
على أنّ خارج العالم إذا لم يكن أمراً مادّياً فهو مساوق عند المحاضر للعدم، فيعود السؤال أيضاً: كيف يكون موجوداً في عالم معدوم؟
ثم أين كان سبحانه قبل أن يخلق هذا العالم؟ فإن قال: خارج هذا العالم، فيقال له: إنّ الخارج لا يتصور إلاّ مع وجود الداخل، والمفروض أنّه لم يخلق الداخل حتى يتصور له خارج، ويكون فيه.
وحقيقة الكلام: أنّ البحث في أنّه سبحانه في داخل هذا العالم أو خارجه أو ليس فيهما، كلّ ذلك مبني على تصويره سبحانه موجوداً مادّياً، فيتطلب أنّه إمّا في داخل العالم أو خارجه لا في غيرهما.
وأمّا على القول بأنّ وجوده أرفع من أن يحيطه مكان أو يحدّه زمان، فهو قد خلقهما، فعندئذ يسقط السؤال عن مكانه في داخل العالم أو خارجه أو لا هذا ولا ذاك، بل هو موجود قيّوم قائم بنفسه والكون قائم به نظير قيام الصور العلمية بالنفس، وعندئذ فهو في نفس العالم لكن لا بالحلول والممازجة وفي خارج هذا العالم لكن لا بالمباينة، فلا يمكن للإنسان الغور في كنه وجوده كما قال القائل:
فيك يا أُعجوبة الكو *** ن غدا الفكر كليلاً
كلّما قدم فكري فيـ *** ك شبراً فرّ ميلاً وبذلك تقف على قيمة كلام ابن تيمية حيث يقول:ولم يقل أحد من سلف الأُمّة ولا من الصحابة والتابعين إنّ الله ليس في السماء، ولا إنّه ليس على العرش، ولا إنّه في كل مكان، ولا إنّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنّه داخل العالم ولا