رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦
فالآية صريحة في أنّ الأحبار كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وأنّهم يتكسّبون بفعلهم هذا، وليس هذا الكتاب المزوّر إلاّ التوراة المحرّفة، وكذلك ما يوصف بالكتب السماويّة الواردة في العهدين، وهذا المقدار كاف في عدم جواز الاعتماد على ما ورد في الكتب الموصوفة بالسماوية في باب المعارف خصوصاً ما يرجع إلى صفات الله سبحانه من التجسيم والتشبيه والحركة والنزول، والتمكّن من المكان.
كيف نعتمد على كتاب وصف بكونه ممّا أُنزل على موسى وهو يذكر مصارعة الرب مع يعقوب إلى نهاية الفجر في خيمته؟! يقول: ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر،وعبر مخاضة يبوق، أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له. فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسانٌ حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنّه لا يقدر عليه ضرب حُقّ فخذه. فانخلع حُقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال: أطلقني لأنّه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل.[١]
هذه هي التوراة التي كتبتها أيدي الأحبار، ليتكسّبوا بها في الدنيا وهي مليئة بنزول الرب وحركته وجسمانيته، وغير ذلك ممّا لا يليق أن يكتب ويسطّر!!
وقد افتخر أحد المحاضرين في قناة المستقلة، بأنّ ابن تيمية حلّ مشكلة تدور في أذهان الإلهيين، وهي أنّهم يقولون:إنّ الله سبحانه لا في داخل العالم ولا في خارجه، وعندئذ يطرح هذا السؤال: إذا لم يكن لا في داخل العالم ولا في خارجه، فكيف يكون موجوداً؟ فقد حلّ ابن تيمية المشكلة بقوله :إنّ الله على عرشه خارج هذا العالم. هذا ما تطرّق له المحاضر في تلك القناة الفضائية...
غير أنّه غفل عن أنّ السؤال عن مكان الله سبحانه وأنّه هل هو في هذا العالم
[١] الكتاب المقدس، الإصحاح ٣٢ من سفر التكوين.