رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥٠
يدلّ على أنّ الاحتفال بمولده(صلى الله عليه وآله)له جذور في تاريخ الإسلام والمسلمين، دون أن يرجع أصله إلى عصر المماليك الذين حكموا مصر ما بين عام ٦٥٠ إلى ٩٢٢ هجرية حتّى انقرضوا على يد العثمانيّين. والقول بأنّ الاحتفال حدث في زمن المماليك في القرون المتأخّرة، تخرّص بلا دليل، بل كان عمل المسلمين في هذا العصر استمراراً لما كان عليه المسلمون من قبل .
ولو افترضنا أنّ المسلمين ـ من عصر المماليك إلى يومنا هذا ـ قد احتفلوا بمولد النبي(صلى الله عليه وآله)عبر قرون، فهذا العمل منهم يعدّ أفضل دليل على كون الاحتفال أمراً مشروعاً، إذ أنّ اتّفاق الأُمّة الإسلامية في عصر واحد على عمل ، يصير دليلاً شرعيّاً على مشروعيته، فكيف إذا كان الاتفاق عبر عصور مديدة؟!
قال الغزالي في تعريف الإجماع: إنّه (الإجماع) اتّفاق أُمّة محمد(صلى الله عليه وآله)بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي. [١] مستدلّين بقوله سبحانه: (وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصِيرًا)[٢] .
ثم إنّ مَن يعتبر الاحتفال بمولد النبي(صلى الله عليه وآله)بدعة يُسيء الظن بالأُمّة الإسلاميّة وعلى رأسها العلماء والفقهاء والمحدّثون، فإنّهم كانوا يحتفلون في هذه القرون بمولده الشريف من دون أن يدور بخلدهم أنّه بدعة في الدين، ومن المستحيل أن يتّفق أهل الإسلام على شيء عبر قرون مع كونه بدعة في الواقع .
فعلى مَن يسيء الظنّ بهم أن يقرأ أدلّة القائلين بجواز الاحتفال، بل واستحبابه ثم يحكِّم ضميره الحرّ: فهل هو من مصاديق البدعة أو لا؟
وقبل إيضاح الأدلّة نفسّر البدعة، ونميّز البدعة اللغوية من البدعة الشرعيّة .
[١] المستصفى: ١ / ١١٠ .
[٢] النساء: ١١٥ .