رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١
من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليّ على خلقه، وهو معهم سبحانه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في قوله: (هُوَ الذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير)[١] وليس معنى قوله: (وهو معكم أينَ مَا كنتم): أنّه مختلط بالخلق فإنّ هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأُمّة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطّلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته .[٢]
يلاحظ عليه: أنّ كلامه صريح في أنّ الله سبحانه واقع في جهة وهي فوق السماوات، مستقر على عرشه، مستعل على خلقه، فهو مهما أراد أن ينكر عقيدته بأنّ الله سبحانه في جهة، فلا يتسنّى له ذلك.
ثمّ إنّه لمّا لاحظ التعارض بين عقيدته ـ أعني: أنّ الله سبحانه مستقر على عرشه، بائن عن خلقه ـ وقوله سبحانه: (وهو معكم أين ما كنتم) حاول أن يجمع بين الآيتين، بتفسير المعيّة بالمعية العلمية، حيث إنّه سبحانه في العرش مع أنّه مطّلع على أعمال عباده.
أقول: وليس هذا إلاّ تأويلاً للكتاب العزيز وتفسيراً بالرأي حيث إنّ عقيدته بأنّ الله فوق السماوات صارت سبباً لتفسير الآية بما مرّ.
إنّ ابن تيمية كثيراً ما يرد على الجهمية بتأويلهم آيات الصفات ولكنّه وقع بنفس ما يردّ به عليهم .
هبّ أنّه صح تأويله سبحانه: (وهومعكم) بالمعيّة، فبماذا يفسّر قوله سبحانه:
[١] الحديد:٤.
[٢] مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية:١/٤٠٠ـ ٤٠١; العقيدة الواسطية، الرسالة التاسعة، طبعة محمد علي صبيح.