رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٥
الإنسان عندما يكون في قعر البئر فإنّ سبيل نجاته الوحيد هو أن يُلقى إليه حبل إلى داخل البئر ليتمسّك به ويصعد بواسطته إلى خارج البئر، وإلاّ فإنّ موته في الداخل يغدو محتماً، إنّ الأُمّة المضطربة التي يعزف كل واحد فيها على منواله تشبه ذاك الذي سقط في البئر، ذلك أنّ موتها قطعي ونهايتها محتومة، فما أروع أن نعمل على أن تتوحّد هذه الإيقاعات ونمسك خير إمساك بحبل الوحدة كي نحظى بالنجاة وننعم بالخلاص.
كانت هذه كلمات موجزة وإجمالية حول المقطع الأوّل من العنوان (الوحدة الوطنية)، ولننتقل الآن إلى شرح المقطع الثاني.
الانسجام والتضامن الإسلامي
تعني كلمة الانسجام النظم والانضباط، وهو أحد المحسنّات البديعية في البلاغة، فإنّ الكلام الذي تتّسم مفرداته بالجمالية وتخلو من التعقيد يطلق عليه اسم الكلام المنسجم. والانسجام الإسلامي يختلف عن وحدة المذاهب، وهو معادل ـ بمعنى من المعاني ـ للتقريب بين المذاهب. فوحدة المذاهب أمر غير ممكن التحقّق; وذلك لأنّ الاختلافات التي مضى عليها أربعة عشر قرناً لا يمكن أن تزول بأُسبوع واحد أو شهر واحد أو سنوات عدة، إلاّ أنّه في الوقت عينه الذي تختلف فيه المذاهب يمكنها استخراج مجموعة من المشتركات الكثيرة فيما بينها لتنطلق منها في تعاون ضروري وتحصل من خلال ذلك على نتائج باهرة، دون أن تمتنع في الوقت عينه عن تداول القضايا الخلافية في المحافل العلمية ـ لا في مقبرة البقيع[١] ـ عبر حوارات مثمرة لتحلّ العالق منها أو تجعل الأفكار متقاربة.
[١] إشارة إلى دعايات الوهابيين التي تطرح من قبل البعض في مقبرة البقيع، على أسماع حجاج بيت الله الحرام و زائري قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام).