رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦
يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج بل يُحتاج إليه، وهو ذو الطول، لا إله إلاّهو العزيز الحكيم.
أمّا قول الواصفين: إنّه تبارك وتعالى ينزل فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلُّ متحرِّك محتاج إلى من يحرِّكه أو يتحرَّك به، فظنّ بالله الظنون فهلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ تحدّوه بنقص أو زيادة أو تحرّك أو زوال أو نهوض أو قعود، فإنّ الله جلّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهُّم المتوهِّمين، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)[١].[٢]
وفي الختام: نقول إن الرجل صرّح بمذهبه وهو على منبر الشام، يقول الرّحالة ابن بطوطة: وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في فنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرّة بأمر أنكره الفقهاء...ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلاّ الله، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله: فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، وصنف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سماه «البحر المحيط» في نحو أربعين مجلداً.
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر
[١] الشعراء: ٢١٧ ـ ٢١٩ .
[٢] التوحيد للصدوق: ١٨٣، كتاب التوحيد، باب نفي المكان والزمان والحركة عنه تعالى، الحديث ١٨.