رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٩
منه أحكاماً شرعية، قلّما يتفق لغيرهم مثلها، ونذكر في المقام نموذجين حتّى تُعرف بهما نظائرهما:
١. في عهد الخلافة، أُتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فأُمر بها أن تُرجم فقال علي بن أبي طالب(عليه السلام) ليس ذلك عليها. قال الله تبارك وتعالى:(وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)[١]. (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ)[٢]، فالرضاعة أربعة وعشرون شهراً والحمل ستة أشهر.[٣]
نرى هنا أنّ الإمام علي(عليه السلام) قد استنطق كتاب الله في مدة أقل الحمل واستخرجها من ضم آية إلى آية أُخرى، وهذا هو المعروف في ألسن الأُصوليين بدلالة الإشارة.
روى المحدّث الطائر الصيت ابن شهر آشوب المازندراني في كتابه «المناقب»: قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ماقبله، وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكّل إلى الإمام علي الهادي(عليه السلام) يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: يُضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلة، فكتب(عليه السلام): (بسم الله الرحمن الرحيم* فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الّتي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكافِرُون).[٤]
فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.[٥]
إنّ الإمام الهادي(عليه السلام) ببيانه هذا قد شقّ طريقاً خاصّاً لاستنباط الأحكام من
[١] الأحقاف:١٥.
[٢] البقرة:٢٣٣.
[٣] سنن البيهقي:٧/٤٤٣; والدر المنثور:١/٦٨٨، وغيرهما.
[٤] غافر:٨٤ـ ٨٥.
[٥] مناقب آل أبي طالب:٤/٤٠٥.