رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٢
وقال الدكتور في كتاب آخر له: يجب على الفقيه الذي يبحث في القضية أن يراعي هذه الآفاق كلها، ولايركز نظره على جانب واحد، وفئة واحدة، ناسياً أن إفريقيا كلها لا تستغني عن الغناء وتوابعه، وأن أوروبا كلها، بل الغرب كله يعتبرون الموسيقى ـ وخصوصاً بعض أنواع منها ـ وسيلة للسمو بالروح والوجدان .[١]
ثمّ إنّه يقول في موضع آخر : نحن اليوم نريد أن نعرض الإسلام على العالم، وأنْ تبلغ دعوته إلى الأُممّ كافة. ومنها أُمم وشعوب ترى الغناء والموسيقى والرقص والطرب جزءاً لا يتجزأ من حياتها، لا تعيش بدونه، ولا تهنأ لها حياة إذا حُرمت منه. فكيف نرغّبهم في الإسلام ونحن نحرّم عليهم الغناء والموسيقى، ونتوعدهم بالرصاص المذاب يصبُّ في آذانهم يوم القيامة، وبغيره من ألوان العذاب المهين، في حين أنّهم يعتبرون الموسيقى غذاء الروح.[٢]
وقد استدل الشيخ على فتواه بروايات تشهد متون كلها أوجلّها على أنّها مكذوبة على نبيّ العظمة والقداسة ، وسوف نرجع لمناقشتها، والكلام مركز الآن فيما وجّه به حلية الغناء والموسيقى في كتابه الثاني حيث جعل ترغيب غير المسلمين بالإسلام سبباً لتحليل الغناء والموسيقى فقال: فكيف نرغّبهم بالإسلام ونحن نحرّم عليهم الغناء والموسيقى ؟
فلو كان هذا السبب للإفتاء بالحلية فليكن أيضاً سبباً في حلية الخمر، والرقص بأنواعه حيث إنّهم يعتبرونهما من ضروريات الحياة، حتى أنّ الطبقة التي تسمّى بالآباء الروحانيين تنظر إلى الخمر بهذه النظرة.
وإنّي لمّا قرأت هذه الفتوى للشيخ القرضاوي خطر ببالي ما رواه ابن الأثير في ترجمة تميم بن جراشة حيث قال: قدمت على النبي (صلى الله عليه وآله)في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط، فقال: اكتبوا ما بدا لكم ثم آتوني به، فسألناه
[١] فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة: ٧، ط. القاهرة، ٢٠٠٤ م .
[٢] نفس المصدر: ١٤٨.