رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٧
فالتطورات صور طارئة عليها، فما لم يكن فيها عنصر محرم أو ملازم للمحرم فهو حلال بلا شك استناداً إلى أصالة الحلية في الأُمور العادية ما لم يدلّ دليل على حرمته.
ذكر بعض المؤرّخين أنّ أوّل تطوّر ظهر في حياة المسلمين دخول المناخل، ولم يكن لهم عهدٌ بها، وهي من أدوات التنعم والترفه في المأكل ممّا لم يكن يعرفه العرب ولا المسلمون من قبل، وقد نظروا إلى المسألة أنّها من الأعراف المرسلة عن قيود الاتّباع وعدمه، وهي من مصاديق قوله سبحانه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)[١] .
وكانت للمكيّين أعراف وعادات نشأوا عليها، فلمّا هاجروا إلى المدينة فوجئوا بعادات أُخرى غير ما مارسوه في بلادهم ممّا يتعلق بالمسكن والملبس والمأكل فاقتبسوا من هذه الأعراف أفضلها وأكملها، ولم يدر بخلد أحد أنّها من محدثات الأُمور.[٢]
كل ذلك يدلّ على أنّ ما يرجع إلى العادات المحلّلة بالكتاب والسنّة مطلق مرسل لا يحدد بحدّ وإن تطورت وتكاملت، إلاّ إذا انطبق عليه عنوان محرم أو كان ملازماً لأمر محرم.
إنّ المسلمين فتحوا البلاد وأشاعوا التوحيد بين الأُمم المتحضّرة، وقد كانت لهم أعراف في حياتهم الاجتماعية وآلات وأدوات في التعليم والتعلّم أو فتح البلاد وغزوها، فاستقبلوها برحابة صدر وتعلموها واستخدموها في حياتهم، غير ما كان محرماً بالذات.
أين الأزقة الضيّقة في مكة المكرمة والمدينة المنورة من الشوارع الواسعة في عواصم العراق والشام؟!
[١] الأعراف: ٣٢ .
[٢] السلفية مرحلة مباركة لا مذهب إسلامي: ٤٦ .