رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٦
الثاني: الترك في مجال العبادات والقربيات.
أمّا الأُمور العاديّة: فهي عبارة عن الأُمور الّتي يمارسها الناس في حياتهم الفردية والاجتماعية، وهي بين سائغ ومحظور. فما حرّمه التشريع فهو حرام إلى يوم القيامة لخلود الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة، وذلك كالخمر والميسر والرشوة والقتل إلى غيرها من كبائر المعاصي وصغائرها.
وأمّا السائغ منها فهو كالسابق حلال إلى يوم القيامة لا يحرمه شيء إلاّ بعنوان طارئ، ككونه ضاراً أو غير ذلك.
ثم إنّ الأُمور العادية لا تبقى على حالها الأوّل، بل أنّها تتكامل وتتطور حسب تكامل حياة البشر وفقاً للتقدّم الحضاري، وهذا واضح للعيان في لباس الإنسان ومسكنه وراحلته .
فقد تطوّرت وتكاملت هذه الأُمور من الحالة العادية إلى ما نشاهده الآن.
إنّ السلف الصالح والخلف من بعدهم لم يجمدوا في حياتهم الاجتماعية على النمط الّذي كانوا يعيشون عليه في عصر صدر الإسلام، بل أخذوا من الحلال حلوه، ومن الجائز صفوته، دون أن يعترض عليهم أحدٌ، ويتّهمهم بالأخذ بمحدثات الأُمور (وكلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). وذلك لافتراض أنّ هذه الأُمور سائغة وجائزة ومن الطيّبات الّتي أحل الله سبحانه لعباده، من غير فرق بين صورتها الأُولى وصورتها الثانية والثالثة .
وذلك لوجهين:
١. أنّ طبيعة الإنسان المتحضّر هي التدرّج في الحضارة والترقّي في مدارجها، وهذا أمر طبيعي فطري لا يمكن إيقافه والمنع عنه، لأنّه يضاد الفطرة الّتي نشأ عليها الإنسان منذ أن وطأت قدماه هذا الكوكب.
وعلى فرض إمكان الإيقاف وتحريم التطور كان على الشارع إيضاح ذلك والدعوة إلى الجمود وإيقاف الحياة على ما كانت عليه.
٢. إذا كان لهذه الأُمور العادية دليلٌ في التشريع الإسلامي ومسوغ لها