رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٥
وأفعاله وكانوا أعرف الناس بأسرار التشريع الإسلامي ومصادره وموارده، فمن اتّبعهم من الذين قال الله فيهم: (وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)[١] ،[٢] غير تام، لأن ما ذكره من أنّهم أعرف بأسرار التشريع لا يلازم كون فتاواهم أو منقولاتهم هي ممّا وصلهم أو سمعوه عن النبي(صلى الله عليه وآله)، إذ من المحتمل أنّهم اجتهدوا فيما أفتوا به بوصف أنّهم أعرف بأسرار التشريع. وفتوى المجتهد حجة على نفسه لا على غيره.
أضف إلى ذلك: أنّ المقصود هو الاتّباع على النمط الحسن، وهو بعدُ غير ثابت، لاحتمال كون ما رواه الصحابي رأيه، لا قول النبي(صلى الله عليه وآله) فلا يُعدّ اتّباعه للمجتهد اتّباعاً حسناً.
هذا كلّه حول السنّة وقد عرفت معناه، ثم إنّه يقع الكلام فيما ظهر أخيراً من الاحتجاج بترك الرسول(صلى الله عليه وآله)أمراً ما، على لزوم اتّباع النبي(صلى الله عليه وآله)في الترك. ولو صحّ ذلك لصارت مصاديق السنّة أربعة:
١. القول.
٢. الفعل.
٣. الإقرار.
٤. الترك.
وهذا من عجائب القول الذي ظهر بعد أربعة عشر قرناً، ولم ينبس به أحد من القدماء، من غير فرق بين فقيه مذهب وفقيه مذهب آخر، وعلى هذا فهو يُعدّ بدعة ظاهرة في مجال التشريع ومورثاً للجدال والنقاش في حياة المسلمين، ولأجل إيضاح المقام نبحث في موضعين:
الأوّل: الترك في مجال الأُمور العاديّة.
[١] التوبة: ١٠٠ .
[٢] مصادر التشريع الإسلامي للدكتور شعبان محمد إسماعيل: ٢٦٩ .