رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٩
وأمّا ما يرجع إلى سليمان أعني قوله: (وَ وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) [١] فلا يمكن حمله على الوراثة في العلم، وذلك لأنّه سبحانه قد ذكر في الآية المتقدمة أنّه آتاهما علماً وقال: (وَ لَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ عِلْمًا وَ قَالاَ الْحَمْدُ للهِ الذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)، [٢] فبعد هذا التصريح بأنّ الله سبحانه وهبهما العلم فلا حاجة لتكرار ما ذكره بصراحة تامة، فتفسير قوله سبحانه: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ)، بالوراثة في العلم ساقط جداً، وبذلك تبيّن أنّ علم الناس على قسمين اكتسابي أو إيهابي، وليس العلم أمراً وراثياً إلاّ على سبيل المجاز.
فبعد هذه الآيات الناصّة على أنّ سنّة الله سبحانه في الأنبياء وغيرهم على نمط سواء، فهم يتوارثون كغيرهم وإنّما لا يتوارث أهل ملتين.
دراسة مضمون الحديث
لو افترضنا صحّة سند الحديث فنقول: إنّ الإمعان فيه يقودنا إلى أنّ المقصود من قوله: «العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما ورثوا أحاديث من أحاديثهم»، هو أنّ شأن الأنبياء ووظيفتهم هو توعية الناس وتعليمهم بأحاديثهم وكلماتهم، وليس من شأنهم أن يتركوا للناس الدنانير والدراهم، وأين هذا من أنّ النبي لو مات وترك بيتاً أو فراشاً أو أموالاً لا ترثها ورثته؟!
وبعبارة أُخرى: أنّ الحديث ـ لو صحّ ـ فهو بصدد بيان علاقة النبي مع أُمّته وأصحابه، وأنّه ما ترك لهم فضة ولا ذهباً وإنّما ترك لهم علماً وسنّة واضحة ليلها كنهارها، فعلى الأُمّة أن تأخذ بهذه الأحاديث عن طريق العلماء فمن أخذ بها أخذ حظاً وافراً.
ولا علاقة لهذا الحديث بما يتركه النبي من مال إلى أزواجه وأولاده.
[١] النمل:١٦.
[٢] النمل:١٥.