رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٠
شبهات المخالفين
قد ورث المتأخّرون عن ابن تيمية ووارث منهجه (محمد بن عبدالوهاب) شبهات يطرحونها لإغواء السذّج من الناس، وهي شبهات واهية لا تعتمد على دليل رصين، وإليك تحليلها.
الأُولى: البرزخ مانع من الاتصال
قالوا: إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله تعالى، فهي حياة مستقلة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها، وإنّ بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتصال فيما بينهم قطعياً، وعلى هذا يستحيل الاتصال لا ذاتاً ولا صفاتاً وأنّه سبحانه يقول: (وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[١]، والبرزخ معناه الحاجز الّذي يحول دون اتصال هؤلاء بهؤلاء .[٢]
أقول: إنّ البرزخ في اللغة هو الحاجز بين الشيئين، لا بمعنى انقطاع الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة، ومن فسّره بهذا المعنى فإنّما قام بذلك لدعم مذهبه، فالمراد من البرزخ هو المانع من رجوع الناس إلى حياتهم الدنيوية، ويدل على ذلك أنّه سبحانه ذكر وجود البرزخ بعد ما ذكر تمنّي العصاة الرجوع إلى الدنيا، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)[٣].
فقوله: «كلا» ردع لتمنّي رجوعهم، يعني لا يستجاب دعاؤهم، ثم عاد سبحانه يؤكده بقوله: (وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)أي حائل مانع من الرجوع إلى الدنيا إلى يوم يبعثون.
وأمّا ما ذكره المانع من أنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله، فهو لا صلة له
[١] المؤمنون: ١٠٠ .
[٢] التوصل إلى حقيقة التوسل: ٢٦٧ .
[٣] المؤمنون: ٩٩ ـ ١٠٠ .