رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٩
أبو جعفر ـ أمير المؤمنين ـ مالكاً في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإنّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: (لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبي )[١] وذمّ قوماً فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ )[٢] .
وأنّ حرمته ميتاً كحرمته حيّاً، فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبدالله، أستقبلُ القبلةَ وأدعو أم أستقبلُ رسول الله؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام)إلى الله تعالى إلى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به، فيشفّعه الله، قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما) [٣].
ونحن نجد في هذه المناظرة الّتي نقلت بسند صحيح [٤]، دلالة واضحة على حياة النبي (صلى الله عليه وآله)ووجود الصلة بينه وبين الزائر له، وأنّ قوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما) تختص برسول الله (صلى الله عليه وآله)في حياته وبعد رحلته.
إلى غير ذلك من قصص الصحابة والتابعين والّتي تثبت شمول الآية لكلتا الحالتين.
[١] الحجرات: ٢ .
[٢] الحجرات: ٤ .
[٣] الشفا بتعريف حقوق المصطفى: ٢ / ٩٢ ـ ٩٣ .
[٤] يقول المحقّقون لكتاب الشفا وفي هذا الحديث ردّ على من قال بأنّ استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة أمر منكر لم يقل به أحد إلاّ في حكاية مفتراة على الإمام مالك يعني هذه القصة وقد أوردها المؤلف له القاضي عياض ـ ولله الحمد ـ بسند صحيح وذكر أنّه تلقاها من عدّة من ثقات مشايخه فهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي رضي الله عنهم في استحباب استقبال القبر الشريف في الدعاء وهو مسطّر في كتبهم.