رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٣
وأمّا الأمر الثاني أعني: وجود الصلة بين من يعيش على وجه البسيطة وبين الأرواح، فإنّ من أنكر التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله ربّما يسلّم بالأمر الأوّل وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله)حيّ بحياة برزخية بعد رحيله، ولكن ربّما ينكر الصلة بيننا وبين عالم الأرواح، ويصرّ على الانقطاع، بينما القرآن الكريم يدلّ بوضوح على وجود الصلة بيننا وبينهم بشهادة أنّ نبيين كريمين ـ أعني: صالحاً وشعيباً ـ قد خاطبا قومهما بعد هلاكهم، فلو كانت الصلة منتفية فما معنى تكلّمهما مع قومهما بعد هلاكهم؟!
أمّا نبي الله صالح (عليه السلام)فقد حكى القرآن تكلّمه مع قومه بعد هلاكهم بقوله سبحانه : (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)[١] فالآية صريحة في هلاك قومه، وموتهم عن آخرهم، وبعد ذلك يحكي تكلّم النبي صالح (عليه السلام)معهم، ويقول: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ )[٢].
إنّ «الفاء» في قوله: (فَتَوَلَّى) دالّ على وجود الترتيب بين هلاكهم وتكلّم نبيهم معهم، فلولا وجود الصلة فما معنى قوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ)، حتّى أنّ قوله: (وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)[٣] حاك عن أنّ أرواحهم قد بلغت من الخبث حتّى أنّهم لا يحبون النبي (عليه السلام)بعد هلاكهم أيضاً .
ونقل نظير ذلك الخطاب في قصة شعيب (عليه السلام)، قال سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)[٤]، ثم يحكي فعل شعيب بقوله: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ)[٥] أي تولّى شعيب عن قومه، ومع ذلك خاطبهم بقوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي
[١] الأعراف: ٧٨ .
[٢] الأعراف: ٧٩ .
[٣] الأعراف: ٧٩ .
[٤] الأعراف: ٩١ .
[٥] الأعراف: ٩٣ .