موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١ - تقديم كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
يثبت لديه. و لكنّه زاد فيه ممّا ثبتت لديه من رواية، و لذلك نسبت السيرة إليه و عرفت به، حتّى لا يكاد يذكر ابن إسحاق معه، فقد عرفت سيرة ابن إسحاق بين العلماء منذ عهد بعيد باسم سيرة ابن هشام، لما له فيها من رواية و تهذيب.
و بهذا الصدد قال ابن خلّكان في ترجمة ابن هشام: «و ابن هشام هذا هو الّذي جمع سيرة رسول اللّه من المغازي و السّير لابن إسحاق و هذّبها و لخّصها، و هي السيرة الموجودة بأيدي الناس المعروفة بسيرة ابن هشام» .
و لم تنقطع العناية بالتأليف في السيرة إلى يومنا هذا، إلاّ أنّ الموضوع في ذاته ليس أمرا يقوم على التجارب، أو فكرة يقيمها برهان و ينقضها برهان، شأن النظريات العلميّة الّتي نرى تجديدها و تغييرها على مرّ السنين، و إنّما هو من العلوم النقليّة لا العقليّة، فكان المشتغلون به أوّلا محدّثين ناقلين، ثمّ جاء من بعدهم جامعين مبوّبين ثمّ ناقدين معلّقين. و لم يكن قابلا للتجديد في جوهره، إلاّ بمقدار قليل حسب النقد الدقيق، و إنّما كان التجديد في أشكاله و صوره شرحا أو اختصارا، أو شيئا من النقد قليلا مشيرا إلى ما فيه من أخطاء.
و لعلّ الذين تناولوا السيرة بالتلخيص و الاختصار، إنّما خفّفوا من ثقل الكتاب بعض أخباره الّتي استبعدوها غير مؤمنين بصحّتها، ناقلين من الأخبار ما يرون فيها القرب من الحقّ، و مستبعدين ما لا يجري في ذلك مع فكرتهم و عقيدتهم مفنّدين إياه رادّين له.
و لعلّ من علل انتشار أخبار ابن إسحاق ثمّ كتابه في السيرة كثرة رحلاته، فالراجح في تأريخ مولده في المدينة أنّه كان سنة ٨٥ هـ و لا يرتاب الرجاليّون و أصحاب الطبقات في أنّه أمضى شبابه في المدينة فتى جميلا