موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩١ - الفصل الثاني كيف نشأ النبي صلّى اللّه عليه و آله
بصرى الشام [١] اذا نحن بصومعة، فنزلنا تحت شجرة عظيمة قريبة من الراهب قليلة الأغصان ليس لها حمل، كان الركبان ينزلون تحتها، فلمّا رأى بحيرا الراهب [٢] ذلك اتّخذ طعاما ثمّ جاء به فأكل و أكلنا معه.
ثمّ قال: يا غلام أسألك عن ثلاث خصال بحق اللات و العزّى الاّ أخبرتنيها. فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عند ذكر اللات و العزّى و قال: لا تسألني بهما، فو اللّه ما أبغضت شيئا كبغضهما، و إنهما صنمان من حجارة لقومي. فقال بحيرا: هذه واحدة. ثمّ قال: فباللّه الاّ ما أخبرتني. فقال:
سل عمّا بدا لك، فإنّك قد سألتني بإلهي و إلهك الّذي ليس كمثله شيء.
فقال: أسألك عن نومك و هيئتك و امورك و يقظتك. فأخبره عن نومه و هيئته و اموره و جميع شأنه، فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته الّتي عنده.
فانكب عليه بحيرا فلم يزل يقبّل يديه مرّة و رجليه مرّة و يقول فيما يقول:
أنت دعوة ابراهيم و بشرى عيسى، أنت المقدّس المطهّر من أنجاس الجاهلية.
ثمّ التفت إليّ و قال: ما يكون هذا الغلام منك فإنّي أراك لا تفارقه؟ قال أبو طالب: فقلت: هو ابني، فقال: ما هو بابنك و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون والده الّذي ولده حيا و لا أمّه. فقال: قلت: انّه ابن أخي و قد مات أبوه و امّه حاملة به، و ماتت امّه و هو ابن ست سنين. فقال: صدقت، هكذا هو، و لكن أرى لك ان تردّه الى بلده عن هذا الوجه، فلئن رأوا هذا الغلام و عرفوا منه الّذي عرفت أنا لابتغوه شرا، و أكثر ذلك هؤلاء اليهود!
[١] بصرى هي مدينة حوران، فتحت صلحا لخمس بقين من ربيع الأوّل سنة ثلاث عشرة، و هي أوّل مدينة فتحت بالشام. وردها رسول اللّه مرّتين: هذه هي الاولى.
[٢] حسبه المسعودي من عبد قيس من عرب الشام، مروج الذهب ٢: ١٠٢.