موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - تقديم كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الأزمان التي وضعت فيها هذه الكتب، فقديمها أقلّ رواية للخوارق من متأخّرها، و ما ورد من الخوارق في الكتب القديمة أقلّ بعدا عن مقتضى العقل ممّا ورد في كتب المتأخّرين.
فهذه سيرة ابن هشام أو قل ابن إسحاق أقدم السّير المعروفة اليوم تغفل كثيرا عمّا ذكره أبو الفداء في تأريخه و ما ذكره القاضي عياض في «الشفاء» و عن جميع كتب المتأخرين تقريبا.
فلا بدّ للباحث من أن يقبل لنفسه مقياسا يعرض عليه ما اتّفقوا عليه و ما اختلفوا فيه، فما صدّقه هذا المقياس أقرّه و أقرّ به و قرّبه، و ما لم يصدّقه فلم يورده بل يردّه» [١] .
و هناك سبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف و نقده نقدا علميا دقيقا، هو أنّ أقدمها كتب بعد وفاة النبي بمائة سنة أو أكثر، و بعد أن
[١] مثلا: إنّ قصة الغرانيق التي تذهب إلى أن النبي لما ضاق ذرعا بسادات قريش فتلا عليهم سورة النجم حتّى إذا بلغ فيها إلى قوله سبحانه أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى `وَ مَنََاةَ اَلثََّالِثَةَ اَلْأُخْرىََ أضاف إليها «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى» ثم أتمّ السورة فسجد و سجد المسلمون و المشركون!
و قد رواها ابن إسحاق ثم قال: إنّها من وضع الزنادقة. و ذكرها ابن كثير في كتابه «البداية و النهاية» فقال «ذكروا قصّة الغرانيق، و قد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها في مواضعها، إلاّ أنّ أصل القصّة في الصحيح، ثمّ ذكر حديثا عن البخاري في أمرها و أردفه بقوله «انفرد به البخاري دون مسلم» .
أمّا الّذي يتخذ عصمة الرسول في تبليغ الرسالة مقياسا للأخذ و الردّ، فلا يتردد في نفي القصّة من أساسها، بل يتّفق مع ابن إسحاق في أنّها من وضع الزنادقة، و يكتفي في ردّها بما فيها من نقض ما للرسول من عصمة في تبليغ رسالة ربّه، كما تقتضي ذلك قواعد النقد العلمي، كما فعل هيكل في كتابه: ٤٨ و ١٦١-١٤٧.