موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٠ - الفصل الثاني كيف نشأ النبي صلّى اللّه عليه و آله
و ليس بغريب على المرأة الفاضلة كخديجة أن تطلب لنفسها محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تفضله على سادة مكّة و أشرافها، فلقد كان في القمّة في صفاته الّتي لم يعرف العرب لها مثيلا ماضيهم و حاضرهم. و اجتهد خصومه أن يجدوا في حياته و لو نزوة تخدش تأريخه المجيد، أو مغمزة منه لنيل جاه أو اصطياد ثروة أو انحراف مع غرائز الشباب الّتي تثور و تتمرد أحيانا على العقل و الخلق و الحكمة، فلم يجدوا شيئا من ذلك. و كان قد جمع الى ذلك من صباحة الوجه و جمال التركيب ما لم يتوفر في أحد سواه كما وصفوه:
فقد جاء في رواية عمرو بن شمر عن جابر أنّه قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر صف لي رسول اللّه. قال: كان نبيّ اللّه أبيض الوجه مشربا بحمرة، أدعج العينين، مقرون الحاجبين، شثن الأطراف كأن الذهب افرغ على براثنه، عظيم مشاشة المنكبين. اذا التفت التفت جميعا من شدّة استرساله. سربته سائلة من لبّته الى سرته كأنها وسط الفضة المصفّاة، و كأن عنقه الى كاهله إبريق فضّة، يكاد أنفه اذا شرب الماء أن يرد الماء. و اذا مشى تكفّأ كأنه ينزل من صبب، لم ير مثل نبيّ اللّه قبله و لا بعده [١] .
إذن، فليس بغريب اذا خطبته خديجة لنفسها، و ظلّت تشاطره آلامه و تناصره بقلبها و عقلها و مالها حتّى لحقت بربّها قبل هجرته الى المدينة بسنة أو سنتين عن خمسة و ستين عاما [٢] .
[١] الكافي ١: ٤٤٣.
[٢] انظر سيرة المصطفى: ٦٢، ٦٣.
غ