موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - تقديم كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية و غير سياسية كان اختلاق الروايات و الأحاديث من وسائلها للغلبة على خصومها، فكيف بما كتب متأخرا في أشدّ أزمان الاضطرابات و القلاقل؟و كيف بما ورد في المتأخّر من كتب السيرة؟فهل يمكن الأخذ به بدون تمحيص بدقّة علميّة؟و قد أدّت المنازعات السياسية و غيرها الّتي حدثت بعد الصدر الأول من الإسلام، إلى اختلاق كثير من الروايات و الأحاديث تأييدا لها، هذا و الحديث لم يدوّن إلى أواخر عصر الأمويين.
ذلك لأنّ عمر عزم على ذلك فأصبح يوما يقول: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، ثمّ عدلت عن كتابتها، فإنّي-و اللّه-لا أشوب كتاب اللّه بشيء أبدا!ثمّ كتب إلى الأمصار بذلك يقول: من كان عنده شيء غير القرآن فليمحه!و ظل الأمر كذلك-ما عدا عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و ابنه الحسن عليهما السّلام-حتّى أمر عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث [١] .
أمّا كيف روى مثل البخاري مثل قصّة الغرانيق-مثلا-؟فقد اعتذر عن مثل ذلك النووي في شرحه لصحيح مسلم قال: «أخذ جماعة على البخاري و مسلم أحاديث أخلاّ بشرطيهما فيها و نزلت عن درجة ما التزماه» و قد التزما بمقياس السند و الثقة بالرواية في قبول الحديث و رفضه، و لكنّه وحده غير كاف لذلك.
بل إنّ خير مقياس يقاس به الحديث و الخبر عن النبي ما روي عنه -عليه الصلاة و السّلام-قال: «إنّكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني
[١] طبقات ابن سعد ٣: ٢٠٦.