موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٨ - الفصل الثاني كيف نشأ النبي صلّى اللّه عليه و آله
قتلك المرويات على كثرتها و شهرتها بين المؤرخين و المؤلفين في سيرته لا يكاد يثبت منها شيء عند عرضها على اصول علم الدراية، كما أشرنا الى بعض عيوبها في كتابنا (الموضوعات في الآثار و الأخبار) : (سيرة المصطفى: ٤٩) و لكنّه عاد في ص ٥٦ فقال «و اذا كنت قد وقفت موقف المتصلب في كتابي (الموضوعات) من بعض المرويات الّتي يرويها المدائني عن بعض من تستّروا بصحبة النبي صلّى اللّه عليه و آله و رواها غيره من المؤرخين (كما رواها الصدوق فى (اكمال الدين و اتمام النعمة) فإني لا أقف نفس الموقف من حديث بحيرا الراهب، فمن الجائز أن يكون قد رأى النبي و لكن دروه معه لا يعدو أن يكون دور من يرقب له النبوة عند ما وجد فيه بعض العلامات الّتي وصفته بها الكتب القديمة كالتوراة و الانجيل و غيرهما.. أمّا بقية الأحداث و الخوارق الّتي روتها كتب التأريخ و الحديث و ادّعت وقوعها في تلك الرحلة، فلو صحت لتركت أثرا في مكّة و ما جاورها بل في شبه الجزيرة بكاملها، و لم يحدث شيء من ذلك» .
و فصّل هذا المعنى فقال: «انّ تلك الأحداث و الكرامات الّتي يدّعيها الرواة، و بخاصّة ما كان منها في طريقه الى الشام مع تلك الحشود لم تترك أثرا على المكيين الّذين رافقوه في تلك الرحلة، فلا محمّد قد احتج بها عليهم يوم كانوا يطاردونه من بيت الى بيت و في شعاب مكّة و بطاحها، و لا حدّث أحد من المؤرخين بانّ رفاقه في تلك الرحلة كانوا يتحدثون بها لمن رجعوا إليهم في مكّة و ما جاورها، كلّ ذلك مما يرجّح استبعادها» .
و قال: «نبهت في كتابي (الموضوعات) على ما يرويه المحدثون و المؤرخون ممّا جرى له في طريقه الى الشام و هو في قافلة تتألف من مائة و ثمانين من التّجار و معاونيهم:
كحديث الغمامة الّتي كانت تظلله، و المياه الّتي كانت تتفجر من بطون الصحراء الّتي كانت تتعرض فيها حياة العشرات من المسافرين للموت عطشا، و الأشجار اليابسة الّتي كانت تعود إليها الحياة فتثمر من ساعتها أنواعا من الثمار، الى كثير من أمثال ذلك» .