موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٠ - الفصل الثاني كيف نشأ النبي صلّى اللّه عليه و آله
قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكّة: لو أبصرت لي غنمي، حتّى أدخل مكّة فأسمر [١] بها كما يسمر الشباب فخرجت اريد ذلك، حتّى اذا جئت أوّل دار من دور مكّة سمعت عزفا بالدفّ و المزامير، فقلت: ما هذا؟قالوا: هذا فلان تزوّج ابنة فلان. فجلست أنظر إليهم، فضرب اللّه على اذني فنمت، فما أيقظني الاّ مسّ الشمس، فرجعت الى صاحبي، فقال: ما فعلت؟فقلت: ما صنعت شيئا. ثمّ أخبرته الخبر.
ثمّ قلت له ليلة اخرى مثل ذلك، فقال: افعل. فخرجت فسمعت حين دخلت مكّة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة، فجلست أنظر، فضرب اللّه على اذني، فما أيقظني الاّ مسّ الشمس، فرجعت الى صاحبي فأخبرته الخبر. ثمّ ما هممت بعدها بسوء، حتّى أكرمني اللّه برسالته [٢] .
و قال ابن اسحاق: شبّ رسول اللّه-صلّى اللّه عليه[و آله]و سلّم- و اللّه تعالى يكلؤه و يحفظه و يحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامة و رسالة، حتّى بلغ أن كان رجلا، أفضل قومه مروءة، و أحسنهم خلقا، و أكرمهم حسبا، و أحسنهم جوارا، و أعظمهم حلما، و أصدقهم حديثا، و أعظمهم أمانة حتّى ما اسمه في قومه الاّ الأمين، و أبعدهم عن الفحش و الأخلاق الّتي تدنّس الرجال، تنزها و تكرما، جمع اللّه فيه كلّ ذلك [٣] .
[١] سهرة الليل.
[٢] الطبري ٢: ٢٧٩ و رواه عنه أبن أبي الحديد ١٣: ٢٠٧.
[٣] سيرة ابن هشام ١: ١٩٤ ثمّ قال: و ذكر لي: انّ رسول اللّه-صلّى اللّه عليه [و آله]و سلّم-كان ممّا يحدّث به عمّا كان اللّه يحفظه به في صغره و أمر جاهليته أنه قال: لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض ما نلعب به، فإني اقبل معهم و ادبر، و كلنا قد أخذ إزاره فجعله على عاتقه ليحمل عليه الحجارة فتعرّى!اذ لكمني