موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩ - تقديم كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
يروون أنّه دخل يوما على المنصور و بين يديه ابنه المهدي، فقال له المنصور: أ تعرف هذا يا ابن إسحاق؟قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين:
فقال: اذهب فصنّف له كتابا منذ خلق اللّه آدم عليه السّلام إلى يومك هذا. فذهب ابن إسحاق فصنّف له الكتاب و أتاه به فلمّا رآه قال: لقد طوّلته يا ابن إسحاق فاذهب فاختصره. فاختصره، و القي الكتاب الكبير في خزانة الخليفة.
و في هذا المعنى روي عن ابن عدي الرّجالي المعروف أنّه كان يقول في ابن إسحاق: «لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلاّ أنّه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء للاشتغال بمغازي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و مبعثه و مبتدأ الخلق لكانت هذه فضيلة سبق بها ابن إسحاق، و قد فتّشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد ما تهيّئ أن يقطع عليه بالضعف، و ربّما أخطأ و اتّهم في الشيء كما يخطئ غيره. و لم يتخلّف في الرواية عنه الثقات و الأئمة الاثبات، أخرج له مسلم في المبايعات، و استشهد به البخاري في مواضع، و روى له أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة» .
ثمّ أصبح ابن إسحاق في الحقيقة عمدة المؤلفين في السيرة، فما من كتاب في السيرة إلاّ و هو مستمدّ منه و راو عنه، اللّهمّ إلاّ ما نأتي عليه من مغازي الواقدي و رواية كاتبه ابن سعد عنه، و ما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام، و كذلك أصبح كتاب ابن إسحاق عمدة الكتب في السيرة لقرّائها منذ أن كتبه إلى يومنا هذا و لا سيّما بعد تهذيبها من قبل ابن هشام- بحيث أنّك لا تكاد تجد رجلا يدرس سيرة الرسول الكريم إلاّ و كتاب ابن إسحاق كتابه الأوّل و الام في ذلك. غ