منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٣ - المعنى
المعنى
ذكر ٧ في هذه الجمل من الكلام فصلان: أحدهما في تدبير النّفس و من أهمّ مسائل الحكمة العملية، و الثاني في آداب المعاشرة و تدبير الاجتماع و لهذا فصّل أحدهما عن الاخر و قال: أربعا و أربعا.
عرّف وفور العقل بأنه أغنى العقل، و المقصود من غنى العقل أن يكون تعقل الانسان مضيئا يوضح له كافّة جوانب حياته و جميع نواحي حوائجه، فيهديه في كلّ شأن من الشئون إلى ما هو صلاحه، و يحفظه عن ارتكاب ما يضرّه و لا يحتاج إلى من يكفّله و يحافظه كالقيّم عليه، و من نواحى الحياة درك لزوم التعلّم عند العالم فيما كان جاهلا، و الرّجوع إلى المشير إذا كان الأمر عليه مبهما، فلا يكون المراد من غنى العقل التفرّد بكلّ شيء و الاستغناء عن التعليم و الاستشارة، كيف؟
و النّبي ٦ مع كونه كلّ العقل و غير محتاج إلى المعلّم مأمور بالاستشارة مع امّته في الامور فقال تعالى: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ- ١٥٩ آل عمران».
و تبيّن من ذلك أنّ أكبر الفقر الحمق لأنّ الأحمق لا يهتدى إلى أن يرجع إلى العالم فيما يجهل، و لا إلى المشاور فيما لا يفهم و لا يعقل.
و العجب يوجب الترفع و توقع الاحترام من الأنام، فالمعجب يرى نفسه في مقام لا يرى معه غيره فيبتلى بالوحشة و يمنع ترفعه من الانس و الخلطة مع أبناء جنسه، فيزيد بذلك وحشته، فالعجب أوحش الوحشة.
و الحسب هو الانتماء إلى بيت رفيع يختلف إليه النّاس و يحبّون ذويه فاذا كان الانسان صاحب خلق حسن مع أبناء جنسه و بني نوعه يجتمعون إليه و يحبّونه.
و المصادقة رابطة و ديّة بين الصديقين تقتضي المعاونة في الامور و المشاركة في دفع المحذور، فاذا كان الصّديق أحمقا لا يميز النفع من الضرّ، و لا الخير من الشرّ و يجلبه رابطة الصّداقة إلى إيصال النفع إلى صديقه و لكن غباوته و حمقه يجرّه.