منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٥٣ - المعنى
و نذكر هنا قصّة من صور الصدق في المواطن و المقاومة على وجه الباطل من الشرح لابن أبى الحديد و نترجمها في ذيل التّرجمة فانها مفيدة جدا، قال الشارح المعتزلي في الجزء «١٨ ص ١٤٤»:
و روى ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار» قال: بينما المنصور يطوف ليلا بالبيت سمع قائلا يقول: اللّهم إليك أشكو ظهور البغي و الفساد و ما يحول بين الحق و أهله من الطمع، فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، و أرسل إلى الرّجل رسولا يدعوه، فصلّى ركعتين، و استلم الركن، و أقبل على المنصور و سلّم عليه بالخلافة، فقال المنصور: ما الّذي سمعتك تقوله من ظهور البغي و الفساد في الأرض و ما يحول بين الحقّ و أهله من الطمع؟ فو اللَّه لقد حشوت مسامعى ما أرمضني، فقال يا أمير المؤمنين إن أمنتنى على نفسي أنبأتك بالامور من اصولها، و إلّا احتجزت منك، و اقتصرت على نفسي فلي فيها مشاغل، قال: أنت آمن على نفسك فقل فقال: إنّ الّذى دخله الطمع حتّى حال بينه و بين إصلاح ما ظهر من البغى و الفساد لأنت، قال: ويحك، و كيف يدخلني الطمع و الصفراء و البيضاء في قبضتي و الحلو و الحامض عندي، قال: و دخل أحد من الطمع ما دخلك إذ اللَّه عزّ و جلّ استرعاك المسلمين و أموالهم، فأغفلت امورهم، و اهتممت بجمع أموالهم، و جعلت بينك و بينهم حجبا من الجصّ و الاجر، و أبوابا من الحديد، و حجبة مع السّلاح، ثمّ سجنت نفسك فيها منهم، و بعثت عمّا لك في جباية الأموال و جمعها، و قويتهم بالسّلاح و الرجال و الكراع، و أمرت بأن لا يدخل عليك إلّا فلان و فلان، نفر سميتهم، و لم تأمر بايصال المظلوم و الملهوف، و لا الجائع و الفقير، و لا الضّعيف و العارى، و لا أحد ممن له في هذا المال حقّ، فما زال هؤلاء النفر الّذين استخلصتهم لنفسك و آثرتهم على رعيتك و أمرت أن لا يحجبوا عنك يحبون الأموال و يجمعونها و يحجبونها و قالوا: هذا رجل قد خان اللَّه، فما لنا لا نخونه، و قد سخرنا فائتمروا على أن لا يصل إليك من أخبار النّاس شيء إلّا ما أرادوا، و لا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلّا بغّضوه عندك و بغوه الغوائل، حتّى تسقط منزلته و يصغر قدره، فلمّا