منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٥٩ - المعنى
بما يجب عرّضها للزّوال و الفناء.
المعنى
العلم مصباح الهداية للجامعة البشريّة في شتّى نواحى حياته، و لا يمكن الارتقاء في الشئون المعنويّة و الماديّة و الروحيّة و الجسميّة و الدينيّة و الدنيويّة إلّا بالعلم و المعرفة، و إنّما يثمر العلم في ترقية شئون الحياة باستعماله و العمل به، و إلّا فمجرّد الصور الذهنيّة لا تفيد شيئا إذا لم تقترن بالعمل و لا تقع في سبيل الاستفادة و الاجراء. و حيث إنّ العلم قائم بوجود العالم و العالم معرض للموت و الفناء كسائر الأفراد فلا بدّ من بقاء العلم و العالم من وجود المتعلّم و المستفيد ليقوم التّلميذ مقام الاستاذ إذا مات أو عجز عن العمل، فالجاهل المتعلّم هو الركن الثاني لقوام العالم و بقائه. و حيث إنّ العمل بالعلم و تعليمه و إبقائه يحتاج إلى مصارف ماليّة من معاش العالم و مصارف تحصيل المتعلّم و المدارس و المكاتب و الكتب المحتاج إليها لحفظ العلم و للتعليم، فلا بدّ من وجود الأفراد ذوي الثروة و الجود ليصرفوا مالهم في هذا السبيل و ينشئوا مدارس و مكاتب و خزنة الكتب و يبنوا جامعات و مساجد للدّرس و العبادة، فهذا هو الركن الثالث لقوام الدّين و الدّنيا. و حيث إنّ الفقر و الحاجة ماسّة بالاجتماع البشري من وجوه شتّى فلا بدّ من حسن النظام الاجتماعي أن يكون الفقير صابرا ديّنا لا يبيع آخرته بدنياه فيرتكب الجرائم المخلّ بنظام الاجتماع كالسرقة و الخيانة و الضوضاء، فيصير الفقير الصابر الدّين هو الركن الرابع. و كلّ هذه الأركان الأربعة يرتبط بعضها ببعض و إذا اخلّ منها ركن يسرى خلله إلى سائر الأركان، فاذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل من التعلّم لما رأى من عدم فائدة العلم مع الصّعوبة في طريق تحصيله، و إذا بخل الغنيّ بمعروفه الواجب عليه في صرف ماله اختلّ نظام العلم و المعرفة و ينقص التربية المؤثّرة في نفوس الفقراء