منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٥٣٥ - المعنى
تتوهّمه، و العدل أن لا تتّهمه.
المعنى
حكمته هذه تتضمّن تحقيق أصلين هامّين من اصول الاسلام على وجازتها و عمقها العميق، فهنا بحثان:
١- الوهم من الحواسّ الباطنة و من القوى الفعّالة في وجود الانسان يشكّل في باطنه فضاء غير متناه أعظم و أوسع من الفضاء اللّايتناهي الخارجي المحسوس فانّ الوهم يمثّل في باطن الانسان هذه الفضاء مرّات و ألف مرّة و لا يضيق بها و لا يتعب، فالأعداد اللّانهائي من الوهم و الأشكال الهندسي اللّانهائي من الوهم و خلاصة القول أنّه كلّ مدرك له كم و بعد في باطن الانسان إن كان صورة لوجود عينيّ دخل فيه بواسطة الحواسّ الظاهرة فهو خيال و حفظ، و إلّا فهو من الواهمة و حدّه أن يكون محدودا بالكم أو الكيف، و موصوفا بالبعد خطا أو سطحا أو جسما فالوهم في باطن وجود الانسان الصغير الجثّة أكبر العوالم المادّية، بل يصحّ أن يعبّر عنه بعالم اللّاتناهي في اللّاتناهي، و التعدّد من منشات الوهم و يبدأ من عدد الواحد الّذي بعده الاثنان، فالواحد العددي من عالم الوهم و لا يطلق على اللَّه كما لا يطلق عليه الاثنان و الثلاث و هذا هو المقصود من قوله ٧: واحد لا بالعدد، فاذا جاوزنا عن عالم الوهم فلا يبقى إلّا الوحدة الحقة الصّرفة، و يتبيّن سرّ قوله ٧:
(التوحيد أن لا تتوهّمه).
فكلّ انحراف في التوحيد الذاتى من الثنوية و التثليث و غيرهما و الوثنيّة و ما يشاكلها، ناش عن الوهم، بل الانحراف في التوحيد الصفاتي كالقول بزيادة الصفات على الذات و وجود المعاني في الذات كما اعتقده الأشاعرة، ناش عن الوهم أيضا لأنه مبنيّ على تصوّر ذات معها صفة المستلزم للتعدّد الكمّي و هو من عالم الوهم أيضا.
فقوله ٧: «التوحيد أن لا تتوهّمه» حدّ جامع مانع فلا سبيل إلى الاعتقاد