منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٣٢ - المعنى
الأنبياء و الأوصياء لاصلاح العباد و عمران البلاد، و الغرض منه إعداد العقول، لتلقّى الأحكام و القوانين بالقبول، و الاقبال عليها عن ظهر القلب.
و قد وصف اللَّه تعالى القرآن بأنّه موعظة و شفاء لما في الصّدور فقال عزّ من قائل «٥٨- يونس-: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فالحكومات المتداولة بين الشعوب تضعون قوانين و تحملون عليها شعوبهم بالقهر، و النتائج المقصودة من هذه القوانين حفظ النظام و الأمن في المجتمع، و لا يحتاج إلى تأثير في القلوب أو تزكية للأرواح، لأنّ النظامات الاجتماعية في نظرهم كالامور المكانيكيّة، و لا فرق في نظرهم بين صدور الأعمال من الماكينة الفاقدة للشعور أو الانسان، فيبدلون من القوى الفاعلة البشرية بالات الكترونيّة، تعمل هذه الأعمال.
و لكنّ الأنبياء و الرسل و الأوصياء يهتمّون باصلاح القلوب و العقول و يعتبرون الأعمال بالنّيات و الرغبات، و تعرّضهم للقوانين بالنظر إلى حفظ النظام و الأمن إنّما هو عرضيّ و من باب المقدّمة.
فعمدة مهمة الشرائع الالهية إصلاح القلوب و جلب الأنظار إلى المصالح و المفاسد، ليقدم النّاس على الأعمال بالطوع و الرغبة، و عن الشوق و النيّة.
و بهذا النظر لا يتوسّل الأنبياء إلى القهر و الاخضاع إلّا من باب الدّفاع و كانوا يتحمّلون مشاق الأذي في سبيل الدّعوة إلى طريق الهدى قال اللَّه تعالى «٤٢- ق-: وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.
و قد تصدّى عليّ ٧ لموعظة كافة أهل الاسلام بمواعظ شافية كافية تشع أنوارها على القلوب طيلة القرون الماضية و الغابرة، و قد تعرّض في هذه الموعظة للاشارة إلى اصول الرذائل الّتي تكون مرضا للقلوب، و نبّه على معالجتها فنلخصها فيما يلي:
١- الاغترار بسعة رحمة اللَّه و الطمع في ثواب اللَّه بغير عمل فقال: (لا تكن ممّن يرجو الاخرة بغير عمل).