منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٨٣ - المعنى
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ و سعى الاسلام في المنع عن المفاخرات الجاهليّة بكلّ جهد و عناء.
و لمّا دبّ بنو اميّة في حجر الاسلام و تمكّنوا من تدبير سياستها القبليّة المشئومة المسمومة في قلب الجامعة الاسلاميّة رجعوا إلى إحياء هذه العادة الجاهليّة الّتي أماتها الاسلام، فأثاروا العصبيّات، و أشاعوا المفاخرات حتّى جرّت ذيلها إلى حضرة عليّ ٧.
و لمّا سئل عن قريش و هم قبائل عديدة استخلص منهم هذه الثلاث: بنو مخزوم و بنو عبد شمس، و بنو هاشم، و اقتصر على هذا البيان الوجيز و وصف بني مخزوم و هم أفخر قريش و أكثرهم مالا و أوفرهم جمالا، بما افتخروا به في جاهليتهم و هو أنهم «ريحانه قريش».
و هذا لقب اكتسبوه بين قريش بنفوذهم و ثروتهم و رفاهيّتهم و تنعّم رجالهم و نسائهم.
تأكيد المدح بما يشبه الذم [أمّا بنو مخزوم فريحانة قريش ...] و فسّره ٧ بما هو أشبه بالذمّ من المدح، فقال: إنّ لبّ هذا الوصف الافتخارى أنّ رجال بني مخزوم حلو اللّسان، و مليح البيان، و أهل للمنادمة و الانس الأدبي تحبّ الحديث و المقاولة معهم، و نساءهم جميلة و صالحة للتعيش و النكاح، و أين هذا من المعالي الروحية و الاداب الاسلامية الّتي وصف ٧ بها شيعته من أنهم: خمص البطون، و ذبل الشفاه، و ما وصف بها المتقون في خطبة الهمام.
و وصف بني عبد الشمس «بأنهم أبعدها رأيا، و أمنعها لما وراء ظهورها» و قد فسّره ابن ميثم بأنهم جيّد الرأى و اولى حميّة، و لكن الظاهر أنّ المقصود من بعد الرأى بعد نظرهم عن الإسلام و المعارف القرآنية، فانهم حاربوا الرّسول ٦ و القرآن إلى أن بلغت أرواحهم التراقي، ثمّ اسلموا كرها، و أنّى هذا من جودة الرأى.
و المقصود من منع ما وراء ظهورهم حبّ الدّنيا و الوله بها مالا و جاها، و كأنّه إشارة إلى قوله تعالى: «٩٤- الأنعام- وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ.