إتحاف الوري بأخبار أم القري - عمر بن محمد بن فهد - الصفحة ١٦ - *** «سنة تسع و ستمائة»
و أحرق بسببه فى الآخرة، و اللّه لو بلغ هذا حيث أشرت لترك كلّ وجه و جعل جميع الوجوه إليك حتى يفرغ منك، ما لهذا ضرورة؛ إنه قد خطر لك أنهم استدرجوك لأن تسير إليهم، و تمكن من نفسك، فقل جميلا و إن كان فعلك ما علمت. فأصغى إليه أبو عزيز، و علم أنه رجل عاقل ناصح ساع بخير لمرسله و للمسلمين، فقال له: كثّر اللّه فى المسلمين مثلك، فما الرأى عندك؟ قال: أن ترسل من أولادك من لا تهتم به إن جرى عليه ما تتوقعه- و معاذ اللّه أن يجرى إلا ما تحبه- و ترسل معه جماعة من ذوى الأسنان و الهيئات من الشرفاء، فيدخلون مدينة السلام، و فى أيديهم أكفانهم منشورة، و سيوفهم مسلولة، و يقبّلون العتبة، و يتوسلون برسول اللّه ٦، و يصفح أمير المؤمنين؛ و سترى/ ما يكون من الخير لك و للناس، و اللّه لئن لم تفعل هذا لتركبن الإثم العظيم، و يكون ما لا يخفى عنك. فشكره و وجّه صحبته ولده، و أشياخ الشرفاء، و دخلوا بغداد على تلك الهيئة التى رسم، و هم يضجون و يبكون و يتضرّعون، و الناس يبكون لبكائهم، و اجتمع الخلق كأنه المحشر، و مالوا إلى باب النوبى من أبواب مدينة الخليفة؛ فقبّلوا هنالك العتب، و بلغ الخبر الناصر؛ فعفا عنهم و عن مرسلهم، و أنزلوا فى الديار الواسعة، و أكرموا الكرامة التى ظهرت و اشتهرت، و عادوا إلى أبى عزيز بما أحبّ. و كان بعد ذلك يقول: لعن اللّه أول رأى عند الغضب، و لا عدمنا عاقلا ناصحا يثنينا عنه. هذا كلام أبى سعيد المغربى [١].
[١] و انظر العقد الثمين ٧: ٤٩- ٥٣، و درر الفرائد ٢٧٠- ٢٧٢.