التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٠ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
ماذكرناه، أنّ الإعجاز ليس إلّا تأليف هذه الكلمات على حدّ لاغاية فوقه، فإلى هذا يرجع الخلافُ، ويحصل التحقّق بأنّ عجزهم إنّما كان من جهة عدم العلم بهذا التأليف المخصوص في الكلام. لا يقال: فحاصل هذا الجواب أنّ اللّه تعالى لم يخلق فيهم العلم بإحكام التأليف الذي يحتاج إليه في كون الكلام معجزا، وهذا قول بمقالة أهل الصّرفة، فإنّ حاصل مذهبهم هو أنّ اللّه تعالى سلَبَهم الداعي إلى معارضة القرآن، وأعْدم عنهم العلومَ التي لأجلها يقدرون على المعارضة، وأنتم قد زيّفتم هذه المقالةَ وأبطلتموها، فقد وقعتم فيما فررتم منه، لأنّا نقول هذا فاسدٌ فإنّا نقول إنّهم عادمون لهذه العلوم قبْلَ المُعْجز وبعْدَه، وأنّها غير حاصلة لهم في وقتٍ من الأوقات فلهذا استحال منهم معارضةُ القرآن كما قرّرناه من قبلُ، بخلاف مقالة أهل الصّرفة فإنّ عندهم أنّ علوم التأليف كانت حاصلة معهم قبلَ ظهور المُعْجز، لكن اللّه تعالى سلَبَهم إيّاها كما مرّ تقريره، فلهذا كان ما ذكرناه مخالفا لما قالوه.
السؤال الثاني: لوكانت الفصاحة هي الوجه في كون القرآن معجزا لَما كان فيه دلالة على صدق الرسول صلى الله عليه و آله وقد تقرّر كونه دالّا على صدقه، فيجب أن لا يكون الوجه في إعجازه هي الفصاحة، بل الصّرفة كما تقول أصحابها، أو وجْهٌ آخر غير الفصاحة، وإنّما قلنا: إنّه لوكان الوجه في إعجازه الفصاحة لَما كان فيه دلالةٌ على الصدق، فلأنّ الدلالة على الصدق إنّما تقع إذا كانت موجودةً من جهة اللّه تعالى إلّا أنّه تعالى ليس فاعلًا للفصاحة من جهة أنّ الفصاحة المَرْجعُ بها إلى خُلوص الكلام من التعقيد، والبلاغةُ ترجعُ إلى مطابقة الكلام وحسن تأليفه، وهذه كلّها مقدورةٌ لنا، ولهذا بطل أن يكون الإعجاز حاصلًا بها، فإذن لابدّ من أن يكون وجه الإعجاز متعلّقا بقدرة اللّه تعالى، لأنّه هو المتولّي لصدق أنبيائه، فكلُّ ما كان من المعجزات لايُقَدَّرُ كونه من جهته، فإنّه لايكون فيه دلالة على صدق مَن ظهر عليه، وإنّما قلنا: إنّ فيه دلالةً على الصدق، وهذا ظاهر لايمكن إنكاره، فإنّ القرآن منْ أبْهَر الأدلّة على صدق صاحب الشريعة صلى الله عليه و آله فلوكان وجهُ إعجازه هو الفصاحة لم يكن فيه دلالةٌ على الصدق، لأنّ الفصاحة والبلاغة المرجعُ بهما إلى انتظام