التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٠ - ٤ - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد * * *
عليه فطرة. ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم ومجامعهم. فتحدّاهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه، وسلك إلى ذلك طريقا كأنّها قضيّة من قضايا المنطق التاريخي، فإنّ حكمة هذا التحدّي وذكره في القرآن، إنّما هي أن يشهد التاريخ في كلّ عصر بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللّدّ والفصحاء اللسن، وهم كانوا في العهد الذي لم يكن للغتهم خير منه ولاخير منهم في الطبع والقوّة، فكانوا مظنّة المعارضة والقدرة عليها.
حتّى لايجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن، مولّد أو أعجمي أو كاذب أو منافق أو ذوغفلة، فيزعم أنّ العرب كانوا قادرين على مثله ...
أمّا الطريقة التي سلكها إلى ذلك، فهي أنّ التحدّي كان مقصورا على طلب المعارضة بالمثل، ثمّ قرن التحدّي بالتأنيب والتقريع، ثمّ استفزّهم بعد ذلك جملة واحدة، كما ينفج الرماد الهامد،[١] فقال: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ»[٢] فقطع لهم أنّهم لن يفعلوا، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلّا من اللّه ولا يقولها عربي في العرب أبدا، وقد سمعوها واستقرّت فيهم ودارت على الألسنة، وعرفوا أنّها تنفي عنهم الدهر نفيا وتعجزهم آخر الأبد، فما فعلوا ولا طمعوا قطّ أن يفعلوا. وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم ...
تأمّل نظم الآية تجد عجبا، فقد بالغ في اهتياجهم واستفزازهم ليثبت أنّ القدرة فيهم على المعارضة كقدرة الميّت على أعمال الحياة، لن تكون ولن تقع! فقال لهم: لن تفعلوا! أي هذا منكم فوق القوّة وفوق الحيلة وفوق الاستعانة وفوق الزمن، ثمّ جعلهم وقودا، ثمّ قرنهم إلى الحجارة، ثمّ سمّاهم كافرين. فلو أنّ فيهم قوّة بعد ذلك لانفجرت، ولكن الرماد غير النار ...
فلمّا رأوا هممهم لاتسموا إلى ذلك، ولا تقارب المطمعة فيه، وقد انقطعت بهم كلّ سبيل إلى المعارضة، بذلوا له السيف، كما يبذل المحرج آخر وسعه «آخر الدواء الكيّ»
[١] - نفجت الريح: هاجت وجاءت بشدّة.
[٢] - البقرة ٢٣: ٢- ٢٤.