التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٧ - الوليد بنالمغيرة المخزومي
«سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً»: عقبة شاقّة مرهقة. والصَّعَد: العقبة الصعبة (يشقّ سلوكها)، ويستعار لكلّ شاقّ «وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً».[١]
ثمّ يرسم تلك الصورة الغريبة المثيرة للسخريّة، والرجل يكدّ ذهنه، ويعصر أعصابه، ويقبض جبينه، وتكلح ملامحُه وقسماتُه ... كلّ ذلك ليجد عيبا يعيب به هذا القرآن، وليجد قولًا يقوله فيه:
«إِنَّهُ فَكَّرَ، وَ قَدَّرَ. فَقُتِلَ! كَيْفَ قَدَّرَ؟ ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ! فَقالَ: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ!!»
لحظة لحظة ترسمها ريشة التعبير القاسم، كما لوكانت حرابا يفتّت، بل ومعولًا يدمّر في ضربات متتابعات:
لحظة وهو يفكّر ويدبّر، ومعها دعوة هي قضاء «فقتل»! واستنكار كلّه استهزاء «كيف قدّر»! ثمّ تكرار الدعوة والاستنكار لزيادة الإيحاء بالتكرار.
ولحظة وهو ينظر هكذا وهكذا في جدّ مصطنع متكلّف يُوحى بالسخريّة منه والاستهزاء.
ولحظة وهو يقطب حاجبيه عابسا، ويقبض ملامح وجهه باسرا، ليستجمع فكره في هيأة مضحكة!
وبعد هذا المخاض كلّه! وهذا الحزق كلّه! لايُفتح عليه بشيء، سوى تفاهة فاضحة، فيقول: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ»!
فإذا انتهى عرض هذه اللمحات المخزية لهذا المخلوق المضحك، عقّب عليها بالوعيد المفزع:
«سَأُصْلِيهِ سَقَرَ! وَ ما أَدْراكَ ما سَقَرُ؟ لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ» فَهي تكنس كنسا، وتبلع بلعا، وتمحو محوا، فلا يقف لها شيء، ولا يبقى وراءها شيء!!
ثمّ هي تتعرّض للبشر وتلوّح أي تغيّره وتشوّهه من شدّة الحرّ اللافح «لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ»
[١] - الجن ١٧: ٧٢.