التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٢ - مع أبي جهل بن هشام
مع أبي جهل بن هشام
قال ابن إسحاق: لمّا ذكر اللّه عزّوجلّ «شَجَرَةُ الزَّقُّومِ» تخويفا لمشركي قريش، في قوله: «أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ. إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ. فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ. ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ. ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ. إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ. فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ. وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ. وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ».[١]
فقد أهاجت هذه الآيات القارعة من غلواء المشركين وجعلتهم حيارى مندهشين يخافون سوء العاقبة القريبة! فعمد أبوجهل- على عادته- يحاول تهدئة هياجهم المبرّح، قائلًا: يامعشر قريش، أو تدرون ماهي شجرة الزقّوم، التي يخوّفكم بها محمد؟! إنّها عجوة يثرب بالزبد.[٢] فواللّه لئن استمكنّا منها، لنتزقّمنّها تزقّما[٣] قالها مستهزئا لهياجهم الثائر!
قيل: فأنزل اللّه: «إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ. يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ- إلى قوله- إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ».[٤]
قال ابن هشام: المهل كلّ شيء أذبته من نحاس أو رصاص وما أشبه.[٥]
إنّ هذا ليس بكلام، وإنّما هي صواعق مرعدة وقوارع دامغة، تترى على أشلاء هامدة وبقايا أجساد متفتّتة، لاتطيق تحمّلها حتى وإن جهدت في المقاومة والعناد.
«فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ».[٦]
وبذلك تتجسّد معجزة هذا الكلام وسحره في أُسلوبه هذا الباهر وسلطانه هذا القاهر!
[١] - الصافّات ٦٢: ٣٧- ٧٣.
[٢] - العجوة: ضرب من تمر الحجاز، فيها لذّة.
[٣] - التزقّم: الابتلاع.
[٤] - الدخان ٤٠: ٤٤- ٥٠.
[٥] - سيرة ابن هشام، ج ١، ص ٣٨٨.
[٦] - الحاقة ٧: ٦٩- ٨.