التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢ - ١ - رأي أبيسليمان الخطابي
معجزا للخلق ممتنعا عليهم الإتيان بمثله علىحال، فلاموضع لها. والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندلّ عليه بأكثر من الوجود القائم المستمرّ على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه. وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد تحدّى العرب قاطبةً بأن يأتوا بسورة منمثله فعجزوا عنه وانقطعوا دونه. وقد بقي صلى الله عليه و آله يطالبهم به مدّة عشرين سنة، مظهرا لهم النكير، زاريا على أديانهم، مسفّها آرائهم وأحلامهم، حتى نابذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس، وأُريقت المهج، وقطعت الأرحام، وذهبت الأموال ...
... ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم لم يتكلّفوا هذه الأُمور الخطيرة، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة[١] ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول، إلى الحزن الوعر من الفعل.[٢]
هذا مالا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لبّ. وقد كان قومه قريش خاصّة موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المفلّقون[٣] وقد وصفهم اللّه تعالى في كتابه بالجدل واللدد، فقال سبحانه: «ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ».[٤] وقال سبحانه: «وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا»[٥] فكيف كان يجوز- على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة- أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه[٦] وأن يضربوا عنه صفحا، ولا يجوزوا الفلح والظفر فيه، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه.
قال: وهذا- من وجوه ما قيل فيه- أبيَنُها دلالة وأيسرها مؤونة. وهو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفيّة وجه الإعجاز فيه.[٧]
[١] - الفاقرة: الداهية. والإبارة: الإهلاك.
[٢] - الدماثة: السهولة. يقال: أرض دمث أي ذلول، ضدّ الحزونة والوعورة.
[٣] - المصقع: البليغ. وشاعر مفلّق- بزنة اسم الفاعل- مبدع.
[٤] - الزخرف ٥٨: ٤٣.
[٥] - مريم ٩٧: ١٩.
[٦] - اهتبال الفرصة: اغتنامها.
[٧] - أي وهذا أَيسر الوجوه لمن أراد الاقتناع النفسي ولو تقليدا وليس تحقيقا.