التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - ٣ - رأي عبدالقاهر الجرجاني
أعجزهم من اللفظ، أم بهرهم منه؟ ..
فقلنا: أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كلّ مثل، ومساق كلّ خبر، وصورة كلّ عظة وتنبيه وإعلام، وتذكير وترغيب وترهيب، ومع كلّ حجّة وبرهان، وصفة وتبيان وبهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها، أو يرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم لو حكّ بيافوخه السماء[١] موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدّعي وتقول وخلدت القروم.[٢] فلم تملك أن تصول ...[٣]
ويعقّب ذلك بأنّ هذه كانت دلائل إعجاز القرآن، ومزايا ظهرت في نظمه وسياقه، بهرت العرب الأوائل، فهل ينبغي للفتى الذكي العاقل أن يكون مقلّدا في ذلك، أم يكون باحثا ومتتبّعا كي يعلم ذلك بيقين؟
|
يقولون أقوالًا ولا يعلمونها |
ولو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا[٤] |
|
ومن ثمّ وضع كتابه الحاضر (دلائل الإعجاز) ليدلّ الناشدين على ضالّتهم، ويضع يدهم على مواقع الإعجاز من القرآن، ويدعم مدّعاه في ذلك بالحجّة والبرهان. والرائد لا يكذب أهله. قال: وبذلك قد قطعت عذر المتهاون، ودللت على ما أضاع من حظّه، وهدايته لرشده ...[٥]
وقال في رسالته الشافية-: كيف يجوز أن يظهر في صميم العرب وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبيه والهمم العلية والأنفة والحمية من يدّعي النبوّة ويقول: وحجّتي أنّ اللّه قد أنزل عليّ كتابا تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه، إلّا أنّكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله
[١] - اليافوخ: مقدّمة الدماغ في الرأس وهو مثل يضرب لمن يستعلي ويتكبّر.
[٢] - القرم- بالفتح-: الفحل إذا ترك عن الركوب والعمل.
[٣] - دلائل الإعجاز، ص ٢٧- ٢٨.
[٤] - البيت لأبي الأسود الدؤلي.
[٥] - المصدر، ص ٢٩.