التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤١ - مقالة أبي إسحاق النظام
مقالة أبي إسحاق النظّام[١]
[١] - هو أبوإسحاق إبراهيم بنسيّار بنهاني البصري ابن أُخت أبيالهذيل العلّاف شيخ المعتزلة ت ٢٣١ كانت له معرفة بالكلام وكان رأسا في الاعتزال، وكانت له آراء تخصّه، منها رأيه في الإمام علي بن أبيطالب عليه السلام وأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله نصّ عليه بالإمامة وكتمته الصحابة. ورفض حجّيّة الإجماع، وقال: الحجّة هو نصّ المعصوم. وقد اشتهر قوله في أميرالمؤمنين:« علي بن أبيطالب عليه السلام محنة على المتكلّم، إن وفى حقّه غلا! وإن بخسه حقّه أساء. والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن، حائرة الشأن، صعب المراقي إلّا على الحاذق الدّين ...» نقله صاحب المناقب.
وذكر الشهرستاني ميله إلى التشيّع ورفضه بدع الطواغيت، قائلًا: لا إمامة إلّا بالنصّ والتعيين ظاهرا مكشوفا. وقد نصّ النبيّ صلى الله عليه و آله على عليّ عليه السلام في مواضع، وأظهره إظهارا لم يشتبه على الجماعة، إلّا أنّ عمر كتم ذلك لصالح أبيبكر يوم السقيفة. ونسب إلى عمر شكّه في الرسالة وقال: إنّه هو الذي ضرب فاطمة عليها السلام يوم هجم على دارها لأخذ البيعة من علي، وكان متحصّنا في الدار. فجاءت فاطمة لتحول دون هجومه عليها فأصاب بطنها فأسقطت جنينها( محسنا). وكان عمر يومذاك يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها، وكان في الدار الحسنان سبطا رسولاللّه صلى الله عليه و آله ... إلى آخر ما سرده من مطاعن ابنالخطّاب. الملل والنحل، ج ١، ص ٥٧. وراجع: الوافي بالوفيات للصفدي، ج ٦، ص ١٥.
قلت: ويتأيّد قوله في قضيّة الدار بما ذكره ابنعبدربّه في« العقد الفريد»، ج ٣، ص ٦٢، ط ٢، القاهرة، المطبعة الأزهريّة( ١٣٤٦ ه-/ ١٩٢٨ م) في الباب الرابع عشر( في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم) في الذين تخلّفوا عن بيعة أبيبكر( وهم علي والعبّاس والزبير وسعد بنعبادة) قال:« فأمّا علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتّى بعث إليهم أبوبكر عمر بنالخطاب ليخرجهم من البيت، وقال: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل عمر بقبس من نار، على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابنالخطّاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال عمر: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمّة ... فخرج علي حتّى دخل على أبيبكر فبايعه ...».
وما ذكره ابنقتيبة في كتابه( الإمامة والسياسة)، ج ١، ص ١٩- ٢٠، في باب« كيف كانت بيعة علي بن أبيطالب» قال:« وأنّ أبابكر تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّ( كرّم اللّه وجهه) فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ فأبوا أن يخرجوا. فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها، فقيل له: يا أباحفص، إنّ فيها فاطمة؟! فقال: وإن. فخرجوا فبايعوا إلّا عليا، لأنّه حلف أن لايضع ثيابه على عاتقه حتّى يجمع القرآن. فوقفت فاطمة عليها السلام على بابها فقالت: لاعهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا ولم تردّوا لنا حقّا! فأتى عمر أبابكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟! يريد عليا عليه السلام فأرسل أبوبكر قنفذا مولاه ليبلغه دعوته، فأبى عليّ عليه السلام أن يخرج، فكرّر عليه حتّى رفع علي صوته، فقال: سبحان اللّه، لقد ادّعى ما ليس له. فرجع قنفذ. ثمّ قام عمر ومشى معه جماعة حتّى أتوا باب فاطمة فدقّوا الباب، فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول اللّه، ماذا لقينا بعدك من ابنالخطّاب وابن أبيقحافة! فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر. وبقي عمر ومعه قوم( من الرجّالة) فأخرجوا عليّا فمضوا به إلى أبيبكر. فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذن واللّه ... نضرب عنقك. فقال: إذن تقتلون عبد اللّه وأخا رسوله. قال عمر: أما عبد اللّه فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا، وأبوبكر ساكت لايتكلّم. فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال: لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه ... ثمّ انطلقا إلى فاطمة وقالا: إنّا قد أغضبناها، فاستأذنا عليها، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّا فكلّماه، فأدخلهما عليها ... فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها، فلم تردّ عليهما السلام ... إلى آخر ما جرى بينها عليها السلام وبينهما».
وقال المسعودي: وكان عروة بنالزبير يعذر أخاه عبداللّه في حصر بنيهاشم في الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول: إنّما أراد بذلك أن لا تنتشر الكلمة، ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة، فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمر بنالخطاب ببنيهاشم لمّا تأخّروا عن بيعة أبيبكر، فإنّه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار. شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ٢٠، ص ١٤٧، عن مروج الذهب، ج ٣، ص ٨٦.
وذكر أبوالفداء: إنّ أبابكر بعث عمر إلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة وقال: إن أبوا عليك فقاتلهم. فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار، فلقيته فاطمة وقالت: إلى أين يا ابنالخطّاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخل فيه هذه الأُمّة.( المختصر في أخبار البشر، ج ١، ص ١٥٦) ونقل الأميني عن تاريخ ابنشحنة ذلك أيضا في حوادث سنة ١١، الغدير، ج ٣، ص ١٠٤.
ونقل ابوجعفر عن بعض الزيدية احتجاجا جاء فيه:« وصار كشف بيت فاطمة والدخول عليها منزلها وجمع حطب ببابها وتهدّدها بالتحريق من أوكد عرى الدين»؟! شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ٢٠، ص ١٧.
وفي مصنف ابن أبيشيبة( ج ٨، ص ٥٧٢) كتاب المغازى: جاء عمر يهدّد فاطمة عليها السلام بإحراق الدار عليها لو لم يخرج هؤلاء( علي ومن معه) إلى البيعة.
وذكر أحمد بن يحيى البلاذري( ت ٢٧٩/ ٨٩٢ م) في كتابه« أنساب الأشراف»( ج ١، ص ٥٨٦، ط دار المعارف بمصر و ج ٢، ص ٢٦٨، برقم عام ٧٧٠، ط دار الفكر- بيروت): أنّ أبابكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة! فتلقّته فاطمة عليها السلام على الباب، فقالت: يا ابنالخطّاب، أتراك محرّقا عليّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك! وجاء عليّ فبايع وقال: كنتُ عزمت أن لاأخرج من منزلي حتّى أجمع القرآن.
وهكذا ذكر الطبري في تاريخه( ج ٢، ص ٤٤٣): أنّ عمر بنالخطّاب أتى منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين. فقال: واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة. فخرج عليه الزبير مُصلِتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه.
وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال( ج ١، ص ١٣٩) في ترجمة أحمد بنمحمد السرى المحدّث الكوفي( برقم ٥٥٢)، عن محمد بنأحمد بنحماد الكوفي- بعد أن ذكر أنّه كان مستقيم الأمر عامّة دهره- أنّه حضر مجلسه يوما وكان يقرأ عليه رجل: إنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت بمحسّن!
وقد ذكر الكثير من المؤرّخين أسف أبيبكر حينما حضرته الوفاة، لولم يكشف بيت الفاطمة بضعة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ولم يهيّج روعتها، فماتت وهي واجدة عليه وعلى ابنالخطّاب.
راجع: المعجم الكبير للطبراني، ج ١، ص ٦٢. والعقد الفريد، ج ٤، ص ٩٣. ومروج الذهب، ج ٢، ص ٣٠٨. والمبرد في الكامل( شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ٢، ص ٤٦- ٤٧). وغيرهم.