التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٠ - ٢ - مصطفى محمود وحكاية الموسيقى الداخلة للقرآن * * *
- وهو يتوعّد المجرمين-: «إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى».[١]
كلّ عبارة بنيان موسيقي قائم بذاته ينبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ومن ورائها ومن بينها، بطريقة محيّرة لاتدري كيف تتم؟!
وحينما يروي القرآن حكاية موسى بذلك الأُسلوب السيمفوني المذهل:
«وَ لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ. وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى».[٢]
كلمات في غاية الرقّة مثل «يبسا» أو لاتخاف «دركا» بمعنى لاتخاف إدراكا. إنَّ الكلمات لتذوب في يد خالقها وتصطفّ وتتراص في معمار ورصف موسيقيّ فريد، هو نسيج وحده بين كلّ ما كتب بالعربيّة سابقا ولا حقا لا شبه بينه وبين الشعر الجاهلي، ولا بينه وبين الشعر والنثر المتأخّر، ولا محاولة واحدة للتقليد حفظها لنا التأريخ، برغم كثرة الأعداء الذين أرادوا الكيد للقرآن.
في كلّ هذا الزحام تبرز العبارة القرآنية منفردة بخصائصها تماما، وكأنّها ظاهرة بلا تبرير ولاتفسير، سوى أنّ لها مصدرا آخر غير ما نعرف.
اسمع هذا الإيقاع المنغّم الجميل:
«رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ».[٣] «فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ ... فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً».[٤] «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ».[٥] «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ».[٦] «وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً».[٧]
ثمّ هذه العبارة الجديدة في تكوينها وصياغتها ... العميقة في معناها ودلالتها على
[١] - طه ٧٤: ٢٠.
[٢] - طه ٧٧: ٢٠- ٧٩.
[٣] - غافر ١٥: ٤٠.
[٤] - الأنعام ٩٥: ٦- ٩٦.
[٥] - غافر ١٩: ٤٠.
[٦] - الأنعام ١٠٣: ٦.
[٧] - الأعراف ٨٩: ٧.