التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٠ - آل عبدالمطلب كلهم شعراء
و الخصب،[١] ألا فانظروا منكم رجلًا طوالًا عظاما أبيض أشمّ العرنين له فخريكظم عليه ...[٢] قالت: فأصبحت مذعورة ... فاقتصصت رؤياي. فوا لحرمة والحرم، إن بقي أبطحي إلّا قال:
هذا شيبة الحمد (يريدون عبدالمطلب شيخ الأباطح) وتتامّت[٣] عنده قريش وانقضّ إليه الناس من كلّ بطن فشنّوا ومسّوا واستلموا وطوفوا ثمّ ارتقوا أباقبيس، وطفق الناس يدفّون حوله ما أن يدرك سعيهم مهلة حتى قرّوا بذروة الجبل واستكفوا جنابيه.[٤]
فقام عبدالمطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا صلى الله عليه و آله فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو قد كرب.[٥] ثمّ قال:
«اللهمّ سادّ الخلّة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلّم، ومسؤول غيرمبخّل، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك،[٦] يشكون إليك سنتهم، فاسمعن اللهمّ وأمطرن علينا غيثا مريعا مغدقا» فماراموا- و البيت- حتّى انفجرت السماء بمائها وكظّ الوادي بثجيجه.[٧]
قال ابنهشام: وحدّثني من أثق به، قال:
أقحط أهل المدينة فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فشكوا ذلك إليه. فصعد رسول اللّه المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطرما أتاه أهل الضواحي[٨] يشكون منه الغرق. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «اللهمّ حوالينا ولاعلينا»،[٩] فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل. فقال رسولاللّه صلى الله عليه و آله لوأدرك أبوطالب هذا اليوم لسرّه. فقال له بعض أصحابه:
كأنّك يا رسولاللّه أردت قوله:
|
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
|
[١] - الحيا: المطر. الخصب: النبات.
[٢] - العرنين: السيّد الشريف، وهو اسم لما صلب من الأنف. وأشمّ العرنين: الرافع رأسه عند المشي.
[٣] - تتامّ القوم: اجتمعوا كلّهم.
[٤] - استكفوا جنابيه: أي ملؤوا طرفيه.
[٥] - أيفع الغلام: ترعرع وناهز البلوغ.
[٦] - عذرة الدار- بكسر الذال-: فناؤها.
[٧] - الروض الأُنف، ج ٢، ص ٢٩؛ وهامش سيرة ابنهشام، ج ١، ص ٣٠٠. والثجيج: السيل الغزير.
[٨] - الضواحي: جمع ضاحية هي الأرض البراز ليس فيها ما يكنّ من المطر. وضاحية كلّ بلد: خارجه ونواحيه.
[٩] - هو من حسن الأدب في الدعاء، لأنّ المطر رحمة ونعمة، فكيف يطلب رفع نعمته وكشف رحمته.