التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧ - ١ - رأي أبيسليمان الخطابي
معانيها، وإن كانا قد يشتركان في بعضها ... ومن هنا تهيّب كثير من السلف تفسير القرآن، وتركوا القول فيه، حذرا أن يزلّوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء باللسان، فقهاء في الدين.
.. فإذ قد عرفت هذه الأُصول، تبيّنت أنّ القوم إنّما كاعوا[١] وجبنوا عن معارضة القرآن لما قد كان يؤودهم ويتصعّدهم منه، وقد كانوا بطباعهم يتبيّنون مواضع تلك الامور ويعرفون ما يلزمهم من شروطها ومن العهدة فيها، ويعلمون أنّهم لا يبلغون شأوها[٢] فتركوا المعارضة لعجزهم، وأقبلوا على المحاربة لجهلهم، فكان حظّهم ممّا فرّوا إليه حظّهم ممّا فزعوا منه، فغلبوا هناك وانقلبوا صاغرين، والحمد للّه ربّ العالمين.[٣]
*** وقال- في خاتمة الرسالة-: في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلّا الشاذّ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنّك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذّة والحلاوة في الحال، ومن الروعة والمهابة في اخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظّها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشّاها الخوف والفرق. تقشعرّ منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدوّ للرسول صلى الله عليه و آله من رجال العرب وفتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحوّلوا عن رأيهم الأوّل، وأن يركنوا إلى مسالمته ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاةً، وكفرهم إيمانا.
بعث الملأ من قريش عتبة بنربيعة إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ليوافقوه على امور أرسلوه بها فقرأ عليه رسول اللّه صلى الله عليه و آله آيات من حم السجدة، فلمّا أقبل عتبة وأبصره الملأ من قريش،
[١] - كاع عن الشيء: هابه وخاف عن مقابلته.
[٢] - الشأو: الأمد، الغاية.
[٣] - المصدر، ص ٢٩- ٣٥.