التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٦ - ٣ - محمد عبدالله دراز ونظرته في الجمال التوقيعي والتنسيقي للقرآن * * *
مؤتلفة[١] لا كركرة ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا معاظلة، ولا تناكر ولاتنافر. وهكذا ترى كلاما ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقّة الحاضرة وسلاستها، وقدّر فيه الأمران تقديرا لايبغي بعضهما على بعض، فإذا مزيجٌ منهما، كأنّما هو عصارة اللغتين وسلالتهما، أو كأنّما هو نقطة الاتّصال بين القبائل عندها تلتقي أذواقهم، وعليها تأتلف قلوبهم.
من هذه الخصوصيّة والتي قبلها تتألّف القشرة السطحيّة للجمال القرآني، وليس الشأن في هذا الغلاف إلّا كشأن الأصداف ممّا تحويه من اللآلئ النفسية، فإنّه- جلّت قدرته- أجرى سنّته في نظام هذا العالم أن يغشّي جلائل أسراره بأستار لاتخلو من متعة وجمال، ليكون ذلك من عوامل حفظها وبقائها، بتنافس المتنافسين فيها وحرصهم عليها ... فقد سبقت كلمته أن يصون علينا نفائس العلوم التي أودعها هذا الكتاب الكريم، ومن ثمّ قضت حكمته أن يختار لها صوانا يحبّبها إلى النّاس بعذوبته، ويغريهم عليها بطلاوته، ويكون بمنزلة «الحدّاء» يستحثّ النفوس على السير إليها، ويهوّن عليها وعثاء السفر في طلب كمالها، لاجرم اصطفى لها من هذا اللسان العربي المبين ذلك القالب العذب الجميل. ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبدا في أفواه الناس وآذانهم مادامت فيهم حاسّة تذوّق وحاسّة تسمّع، وإن لم يكن لأكثرهم قلوب يفقهون بها حقيقة سرّه، وينفدون بها إلى بعيد غوره «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ».[٢]
هل عرفت أنّ نظم القرآن الكريم يجمع إلى الجمال عزّة وغرابة؟ وهل عرفت أنّ هذا الجمال كان قوّة إلهيّة حُفظ بها القرآن من الفقد والضياع؟
فاعرف الآن أنّ هذه الغرابة كانت قوّة اخرى قامت بها حجّة القرآن في التحدّي والإعجاز واعتصم بها من أيدي المعارضين والمبدّلين، وأنّ ذلك الجمال ما كان ليكفي
[١] - من وقف على صفات الحروف ومخارجها ازداد بهذا المعنى علما. سيأتي تفصيل أكثر في كلام الرافعي، كما أشار إليه الزملكاني من ذي قبل فيما مرّ من كلامه الآنف. وهذا جانب دقيق من سرّ إعجاز القرآن التأليفي فتنبّه.
[٢] - الحجر ٩: ١٥.