التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٣ - ٢ - الإطراد من روائع البديع
فأتى كالماء الجاري اطّرادا وقلّة كلفة، وبيّن النسب حتّى أخرجه عن مواضع اللبس والشبهة.
ولمّا سمع عبدالملك قول ابنصمّة:
|
أبأتَ بعبداللّه خير لِداته |
ذؤاب بنأسماء بنزيد بن قارب[١] |
|
قال- كالمتعجّب-: لولا القافية لبلغ به إلى آدم.
وقال أبوتمام:
|
عبدالمليك بنصالح بن |
علي بنقسيم النبيّ في نسبه |
|
فهذا سهل العنان، خفيف على اللسان. قال ابنرشيق: وإن كانت الياء في «المليك» ضرورة وتكلّفا.
وقال بعضهم:
|
من يكن رام حاجة بعُدتْ |
عنه و أعيَت عليه كلَّ العياء |
|
|
فلها أحمد المرَجّى بن يحيى |
بنمعاذ بنمسلم بن رجاء |
|
فجاء كلامه نسقا واحدا، إلّا أنّه قد شغل البيت وفصل بين الكلام بقوله: «المرجّى».
غير أنّ مجانسة «رجاء» هوّنت خطيئته وغفرت ذنبه.
ثمّ جعل ابنرشيق يعدّد من أنواع الاطّراد وفيها تكلّف من شعراء فصحاء.[٢]
وزعم أيضا أنّ في حكاية أقوال الآخرين تحوّلًا من الممكن إلى المعجز! كلام غريب، ولعلّه حسبه نقلًا بالحرف! ولا شكّ أنّه نقل بالمعنى، لاسيّما مع النظر إلى لغاتهم غير العربيّة، ويدلّك عليه سرد قضية واحدة في مواضع من القرآن في مختلف العبارات، وإن كانت في كلّ مرّة ذات مزيّة حِكَميّة لاتشترك فيها اختها. وعليه فالكلام كلامه تعالى، لأنّه من نظمه وتأليفه بالذات. ونسبة الكلام إنّما يتحقّق بالنضد والتأليف. الأمر الذي يكون الإعجاز فيه، أيّا كان لفظ المنقول عنه.
وأخيرا فإنّ التفاوت في درجة فضيلة البيان، هي أيضا آية اخرى، تحلّت بها آيات
[١] - أباء القاتل بالقتيل: أقاده به. واللدة: الترب ومن تربّى معك. وأصله: ولد بكسر الواو.
[٢] - العمدة، ج ٢، ص ٨٢، رقم ٦٥.