التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - الإعجاز ضرورة دفاعية
منهم على من سواهم. وقد تبيّن الحقّ من ذلك، بمقايسة العدل عند ذوي الألباب».[١] أي الفئات المحايدة للحقّ، ليسوا على طمأنينة من أمرهم، بل في ريبهم يتردّدون. فهناك زارئ- أي عاتب- منهم عليهم، حيث وميض النور لا يبقى منطفئا أبدا.
ومن ثَمَّ لاترى الدعوة في سبيل رسالتها مشكلةً مع العلماء وأصحاب العقول النبهاء، إنّما مشكلتها مع الجهلة السفهاء «وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ، وَ يَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ».[٢] «وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ».[٣]
ولم يشهد التاريخ أنّ نبهاء الأُمم طالبوا أنبياءهم البرهان على صحّة دعواهم، كسلمان وأبيذرّ والمقداد. نعم كانت السفلة الأدناس هم الّذين عارضوا رسلهم وطلبوا منهم البيّنات، وبعدُ لم ينتهوا عن سفههم على كلّ حال. «وَ قالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ»[٤] «وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا».[٥] «لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ».[٦] أي كان جحودهم وارتيابهم في الحقّ ناشئا عن كراهيّته لا عن نكرانه واقعا.[٧]
نعم كانت مطالبة المعجزة أو إبداؤها، بعد مواجهة النكران أو إبداء الارتياب من قبل الملأ والسادة من أهل الترف، لا العامّة وأصحاب العقول الراجحة.
فكما أنّ السيف لعب دور الدفاع عن كيان الإسلام في منابذة هجمات العدوّ عسكريّا، كذلك الآية المعجزة دافعت عن حريم الإسلام ونابذت هجمات العدوّ فكريّا.
وهذا هو القرآن يتحدّى بإعجازه أُولئك المرتابين «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ».[٨] وهكذا سائر آيات التحدّي موجّهة إلى الذين ارتابوا أو
[١] - المصدر، برقم ١٠٠٠/ ٤٠٢.
[٢] - سبأ ٦: ٣٤.
[٣] - الحج ٥٤: ٢٢.
[٤] - طه ١٣٣: ٢٠.
[٥] - النمل ١٤: ٢٧.
[٦] - الزخرف ٧٨: ٤٣.
[٧] - راجع في ذلك محاورة دارت بين موسى وفرعون ذكرها القرآن في ظرافة بيان. الشعراء ١٦: ٢٦ فما بعد والأعراف ٧:
١٠٣- ١١٠.
[٨] - البقرة ٢٣: ٢.