التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - الإعجاز في مفهومه
الثقيل، فلم يطيقوه. ومن ثمّ تمنّوا لو يُبدَّل إلى قرآن غير هذا، ومعجزة اخرى لا تكون من قبيل الكلام: «قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ».[١] إنّها لم تكن معجزة للعرب فقط، وإنّما هي معجزة للبشرية عبر الخلود، لكن أنّى لأُمّة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة وأن تُدرك تلك الواقعيّة سوى أنّها اقترحت عن سفه: أن يفجّر لهم من الأرض ينبوعا، أو تكون له جنّة من نخيل وعنب ويفجّر الأنهار خلالها تفجيرا، أو يسقط السماء عليهم كسفا، أو يأتي باللّه والملائكة قبيلًا، أو يكون لهبيت من زخرف و يرقى في السماء، ولا يؤمنوا لرقيّه حتّى ينزل عليهم كتابا يقرؤونه ... وقد عجب النبيّ صلى الله عليه و آله من مقترحهم ذلك التافه الساقط، ممّا يتناسب ومستواهم الجاهلي، ومن ثمّ رفض اقتراحهم ذاك «قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا».[٢] أي ليس هذا من شأنكم وإنّما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير.
قال الراغب الإصفهاني: المعجزات التي أتى بها الأنبياء عليهمالسلام ضربان: حسّي وعقلي:
فالحسّي: مايدرك بالبصر، كناقة صالح، وطوفان نوح، ونار إبراهيم وعصا موسى عليهمالسلام.
والعقلي: ما يدرك بالبصيرة، كالإخبار عن الغيب تعريضا وتصريحا، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلّم.
فأمّا الحسي: فيشترك في إدراكه العامّة والخاصّة، وهو أوقع عند طبقات العامّة، وآخذ بمجامع قلوبهم، وأسرع لإدراكهم، إلّا أنّه لايكاد يفرق بين ما يكون معجزة في الحقيقة، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرا، أو سببا اتفاقيا، أو مواطأة، أو احتيالًا هندسيا، أو تمويها وافتعالًا إلّا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء.
و أمّا العقلي: فيختصّ بإدراكه كملة الخواصّ من ذي العقول الراجحة، والأفهام الثاقبة، والروية المتناهية، الذين يغنيهم، إدراك الحق.
و جعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسيّا لبلادتهم، وقلّة بصيرتهم، وأكثر
[١] - يونس ١٥: ١٠.
[٢] - الإسراء ٩٣: ١٧.